تكنولوجيا‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬تثير‭ ‬اهتمام‭ ‬عالم‭ ‬المال‭ ‬والأعمال

 

وهج 24 : العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الظواهر‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬فجر‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬الصاورخي‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬أحلام‭ ‬الثراء‭ ‬السريع‭ ‬لدى‭ ‬الكثيرين،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬قيمتها‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬أثار‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬انفجار‭ ‬فقاعة‭ ‬المضاربة‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭.‬
يعود‭ ‬أساس‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬مضت‭ ‬عندما‭ ‬نشر‭ ‬شخص‭ ‬مجهول‭ ‬الهوية‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬البرمجة‭ ‬المُشفرة‭ ‬أطلق‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬ساتوشي‭ ‬ناكاموتو‮»‬‭ ‬ورقة‭ ‬تحدد‭ ‬مبادئ‭ ‬وأسس‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬المستقلة‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مؤسسات‭ ‬رسمية‭. ‬وكانت‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬الورقة‭ ‬ثورية‭ ‬حيث‭ ‬لن‭ ‬تخضع‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭ ‬لقواعد‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬ولا‭ ‬للحدود‭ ‬الوطنية‭ ‬للدول‭.‬
وبدلا‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬للعملة‭ ‬التقليدية،‭ ‬فإن‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬البيانات‭ ‬التسلسلية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬تضمن‭ ‬المصداقية‭ ‬والتأمين‭ ‬لهذه‭ ‬العملات‭. ‬
وتكنولوجيا‭ ‬البيانات‭ ‬التسلسلية‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬دفتر‭ ‬تعاملات‭ ‬مرئي‭ ‬للجميع‭ ‬يتم‭ ‬فيه‭ ‬تسجيل‭ ‬كل‭ ‬معاملة‭ ‬وراء‭ ‬الأخرى‭. ‬وإذا‭ ‬حاول‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬التلاعب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة،‭ ‬سيتم‭ ‬اكتشافه‭ ‬فورا‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬نسخ‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬أو‭ ‬السجل‭ ‬المتاحة‭ ‬للجميع‭. ‬
هذه‭ ‬التقنية‭ ‬تمنع‭ ‬استخدام‭ ‬العملة‭ ‬الافتراضية‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬الشخص‭ ‬الواحد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يستخدمها‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬أو‭ ‬البيع‭ ‬تنتقل‭ ‬فورا‭ ‬إلى‭ ‬محفظة‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬ليصبح‭ ‬الوحيد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬استخدامها‭.‬
ويتم‭ ‬إصدار‭ ‬أو‭ ‬‮«‬سك‮»‬‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬باستخدام‭ ‬أجهزة‭ ‬كمبيوتر‭ ‬عملاقة‭ ‬تستخدم‭ ‬عمليات‭ ‬حسابية‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭. ‬وهناك‭ ‬كمية‭ ‬محددة‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬كمبيوتر‭ ‬سكها،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬تصبح‭ ‬عملية‭ ‬سك‭ ‬عملة‭ ‬جديدة‭ ‬أصعب‭. ‬ونشر‭ ‬ساتوشي‭ ‬ورقته‭ ‬أو‭ ‬بيانه‭ ‬عبر‭ ‬إحدى‭ ‬القوائم‭ ‬البريدية‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭/‬تشرين‭ ‬ثاني‭ ‬عام‭ ‬2008‭. ‬وبعد‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬البيان‭ ‬تمت‭ ‬أضافة‭ ‬التطبيق‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭.‬
وقد‭ ‬تزامن‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬بنك‭ ‬‮«‬ليمان‭ ‬براذرز‮»‬‭ ‬رابع‭ ‬أكبر‭ ‬بنك‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والذي‭ ‬فجر‭ ‬انهياره‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭. ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬عملة‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬المجهولة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬باعتبارها‭ ‬بديلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭.‬
ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬ساتوشي‭ ‬ناكاموتو‭ ‬جمع‭ ‬ثروة‭ ‬قدرها‭ ‬مليون‭ ‬بتكوين‭ (‬حوالي‭ ‬6‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭) ‬وهي‭ ‬الثروة‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬رغم‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬صرف‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭. ‬ومازال‭ ‬لغز‭ ‬شخصيته‭ ‬أو‭ ‬شخصيتها‭ ‬المجهولة‭ ‬يغري‭ ‬الكثيرين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حله‭ ‬والكشف‭ ‬هن‭ ‬هوية‭ ‬صاحب‭ ‬أو‭ ‬صاحبة‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭.‬
وقد‭ ‬ظل‭ ‬‮«‬ساتوشي‭ ‬يتواصل‭ ‬مع‭ ‬عملائه‭ ‬من‭ ‬مستخدمي‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬الوسائل‭ ‬الإلكترونية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينسحب‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭.‬
وقد‭ ‬استغرقت‭ ‬عملة‭ ‬‮«‬بتكوين‮»‬‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬انطلقت،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬مقصورا‭ ‬على‭ ‬خبراء‭ ‬الكمبيوتر‭. ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أسطورة،‭ ‬دفع‭ ‬أحد‭ ‬المبرمجين‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬بتكوين‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬قطعتي‭ ‬بيتزا‭ ‬عام‭ ‬2010‭. ‬وقد‭ ‬وصلت‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬الوجبة‭ ‬من‭ ‬البيتزا‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬سعر‭ ‬البتكوين‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬له‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬190‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭. ‬وحتى‭ ‬اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬مازال‭ ‬المبلغ‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬هذا‭ ‬المبرمج‭ ‬لشراء‭ ‬قطعتي‭ ‬بيتزا‭ ‬يساوي‭ ‬حوالي‭ ‬63‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬
وكان‭ ‬المجرمون‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬المجهولة‭. ‬ففي‭ ‬المواقع‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬سيلك‭ ‬رود‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬استخدام‭ ‬الـ»بتكوين‮»‬‭ ‬لدفع‭ ‬ثمن‭ ‬المخدرات‭ ‬والأسلحة‭.‬
وحتى‭ ‬في‭ ‬أيامه‭ ‬الأولى‭ ‬تميزت‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬بالتقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬قيمتها،‭ ‬وهي‭ ‬السمة‭ ‬التي‭ ‬جذبت‭ ‬إليها‭ ‬المضاربين‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬سعر‭ ‬الوحدة‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬البتكوين‭ ‬يتأرجح‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬يورو‭ ‬وعدة‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬اليورو‭ ‬صعودا‭ ‬وهبوطا‭.‬
وأدى‭ ‬الاهتمام‭ ‬العام‭ ‬بالعملة‭ ‬الجديدة‭ ‬ومحدودية‭ ‬الكمية‭ ‬المتاحة‭ ‬منها‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬21‭ ‬مليون‭ ‬وحدة،‭ ‬إلى‭ ‬التهافت‭ ‬عليها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭. ‬وارتفع‭ ‬سعرها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭.‬
وبسبب‭ ‬محدودية‭ ‬الكمية‭ ‬التي‭ ‬قرر‭ ‬ساتوشي‭ ‬طرحها،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬سك‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭ ‬الآن‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬وعمليات‭ ‬حسابية‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد،‭ ‬أصبحت‭ ‬تتطلب‭ ‬استخدام‭ ‬أجهزة‭ ‬كمبيوتر‭ ‬خادم‭ ‬عملاقة‭. ‬وقد‭ ‬ازدهرت‭ ‬صناعة‭ ‬سك‭ ‬العملة‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬أيسلندا‭ ‬نظرا‭ ‬لانخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬فيها‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الـ»بتكوين‮»‬‭ ‬فقدت‭ ‬نحو‭ ‬ثلثي‭ ‬قيمتها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬فمازال‭ ‬التهافت‭ ‬عليها‭ ‬قائما‭. ‬وقد‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬20‭ ‬عاما‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬سك‭ ‬كل‭ ‬الكمية‭ ‬المتبقية‭ ‬الممكنة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭.‬
وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬سك‭ ‬العملة‭ ‬وتداولها،‭ ‬فقد‭ ‬جذبت‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬البيانات‭ ‬التسلسلية‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملة‭ ‬اهتمام‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات،‭ ‬لاستخدامها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬معاملات‭ ‬أكثر‭ ‬تأمينا‭.‬
ويقول‭ ‬منتقدو‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬البيانات‭ ‬التسلسلية‭ ‬ان‭ ‬نظام‭ ‬تسلسل‭ ‬البيانات‭ ‬بطيء‭ ‬ومرهق،‭ ‬لكن‭ ‬مؤيدي‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المشكلات‭ ‬قابلة‭ ‬للحل‭ ‬وأن‭ ‬المزايا‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬هائلة‭.‬
يقول‭ ‬‮«‬كريستوف‭ ‬ماينل‮»‬‭ ‬أستاذ‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬وأنظمة‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بوتسدام‭ ‬الألمانية‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مازالت‭ ‬في‭ ‬‮«‬مرحلة‭ ‬الطفولة،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنضج‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬تطويرها‭ ‬لاستخدامات‭ ‬مختلفة‮»‬‭.‬

المصدر : د ب أ

قد يعجبك ايضا