للإصلاح دولة ورجال
أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع
تلكم حقيقة راسخة أن للاصلاح دولة ورجالا، بمعنى توافر معطيات ذلك في مرحلة تاريخية محددة من تاريخ أي دولة تسمح باتمامه جملة ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية ومن ثم تسمح بتبنيها، وفِي هذه المرحلة يتوافر حتما من يملك القدرة على المضي بمسار الاصلاح، وهم رجال مخلصون مجتهدون مبادرون قادرون على تحريك عجلة الاصلاح، وتحويله واقعا ملموسا، والسؤال المشروع هو: هل المناخ العام في الكويت تتوافر فيه ظروف الاصلاح؟ وهل لدينا رجال دولة للنهوض بهذه المهمة اليوم؟!
لا خلاف لدى الناس اليوم على أن المناخ العام في البلد لا تتوافر فيه ظروف ومقومات الاصلاح، ويمكن للمراقب أن يسجل ثلاث ملاحظات رئيسية تؤكد ذلك، الأولى غياب رؤية اصلاحية جادة لدى الحكومة. فعلى الرغم من تكرار الحكومة في أدبياتها وبشكل متواتر لتبنيها اطروحات الاصلاح ودعم جهوده منذ حكومة ما بعد التحرير من الغزو العراقي الغاشم والمشكلة عام ١٩٩٢، وحتى آخر حكومة قائمة اليوم، فإن طروحات الاصلاح كما أراها شعارات للاستهلاك السياسي المجرد للتخلص من الضغوط العامة الشعبية، وأحيانا البرلمانية التي تجد الحكومة نفسها في مواجهتها، الا أن الحقيقة الراسخة هي أنه لم تتبن أي حكومة منذ ١٩٩٢ وحتى اليوم أي برنامج زمني، وبقضايا محددة بمسار الاصلاح، سواء في مجال الاصلاح السياسي لاعادة تشكيل مؤسسات وأجهزة السلطة التنفيذية أو بحزمة قوانين تعالج الخلل المؤسسي في السلطتين التنفيذية او التشريعية، وهو ما جعل مسار الاصلاح في تقهقر من الناحية الواقعية، لانه يصبح مادة للمزايدة السياسية ومن ثم يلحق بمسيرة الاصلاح تراجعات مؤلمة، وهو الحال الراهن بكل أسف.
الثاني فقدان مجلس الوزراء لدوره المرسوم له بالمادتين ١٢٣ و١٢٨ من الدستور، اللتين تعطيانه هيمنة على شؤون البلد ورسم سياساته ومسك دفة مساره، اذ ان مجلس الوزراء لم يكن في تشكيله منذ عام ١٩٩٢ مجلسا برامجيا وفريق عمل منسجما، ولذا فليس مستغربا أن تجد في داخل مجلس الوزراء الواحد في كل هذه المراحل سياسات عامة متناقضة، فمثلا ما هو مقرر بالخطة الخمسية تنقضه وزارة المالية في توجهاتها واعدادها للموازنة العامة، وكلا التوجهين مقرران من مجلس الوزراء، بل سياسات الاصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وتقليص الانفاقات تناقضه قرارات من مجلس الوزراء نفسه في زيادة النفقات وتقديم مشاريع قوانين الميزانيات التكميلية، أو الموافقة على مقترحات قوانين بانشاء هيئات ومؤسسات عامة لا حاجة لها، او مقترحات قوانين شعبوية تحمل الدولة نفقات تجهض مسار الاصلاح الاقتصادي، بل أحيانا تكون مقترحات القوانين المذكورة مصدرها الحكومة ذاتها، وهو التناقض الصارخ الذي يتنافى ومسارات الاصلاح، والأمثلة المشابهة كثيرة، لكن لا متسع لتعدادها. والثالث وجد مجلس الأمة نفسه منذ عام ١٩٩٢ خالي الوفاض من مشروع وطني للاصلاح، فكل توجهات العمل البرلماني قائمة على مقترحات فردية متناقضة، حتى ما يقال عنه أولويات البرلمان التي تخرج علينا بين الفترة والأخرى هي عبارة عن موضوعات متناثرة، تحمل في ثناياها قضايا هامشية متناقضة جاءت بارتجال وتنافس محموم بين مكونات البرلمان المفرطة في توجهاتها الفردية، ودغدغة مطالب ومشاعر شعبوية، لا تتبنى مشروعا وطنيا اطلاقا ولا تحقق مسارا اصلاحيا، والأسوأ من ذلك كله ان يكون البرلمان هو أداة هدم للعمل المؤسسي بل ومفرطا في ارساء قيم الاصلاح وكل أدبياته، وهناك تراجع واضح للأداء المؤسسي لكل من الحكومة والبرلمان أيضا لا متسع لتسليط الضوء عليها جميعا.
أما على صعيد توافر رجال دولة مؤهلين لحمل شعلة الاصلاح، والمضي بمسارها، فهو أيضا عنصر نادر لدينا منذ عام ١٩٩٢ وحتى اليوم، فكلتا السلطتين التنفيذية والتشريعية يسودهما شخصيات سياسية بعضها همه الأساسي تحقيق مكاسب شخصية، وغايتها البقاء بالمنصب الوزاري أو البرلماني، وهو الأمر الذي انعكس على نمط سلوك هذه الشخصيات السياسية حكومية كانت أو برلمانية. اذ ان العديد منها يتبع سلوك كسب الولاءات الشخصية والترضيات والمساومات التي تتكسب من تغطية سياسية لحماية بقائها بالمنصب، فتسخّر سلطاتها الوزارية أو البرلمانية لتحقيق هذه الغاية، فتميل الى تبني الموضوعات والقضايا التي تفيد مجاميع من النواب أو الناخبين وبهدف تجنب وعورة مسار الاصلاح وبرامجه، الذي بطبيعته يتنافى وفكرة التنفيع المباشر والشخصي لمجاميع انتخابية أو فئوية أو طائفية، او حتى أحيانا نيابية سواء محسوبة على تكتلات معينة أو ليست مرتبطة بمثل هذه التكتلات، إلا أن سمتها الواضحة أنها منطلقة من تحقيق منافع ومكاسب محدودة لمجاميع معينة نيابية او انتخابية لتحقيق حماية للمنصب الوزاري او البرلماني الذي يشغله أصحاب هذه المناصب، ولذا فان ما تحتاجه الكويت وعانت من ندرته في هذا الشأن طوال الفترات الزمنية المذكورة هو رجال الدولة القادرين على القيام بهذه المهمة الوطنية المستحقة، ألا وهي الاصلاح، فلا غرابة مع تراجع هذين الأمرين أن نجد أن اجابتنا عن سؤالنا المطروح هي عدم توافر مناخ الاصلاح وقلة رجاله، وهي النقلة التي تحتاجها الكويت، فالحس الوطني لمشروع الاصلاح يكاد يختفي، وانزوى بعض رجال الدولة الذين يمكن أن ينهضوا بمسؤولية الاصلاح، في حين أن البعض الآخر يحاول بجدية وهمّة.. ويبقى اليقين أن دوام الحال من المحال، والكويت ولادة، ولن نيأس أن تكون ارادة الشعب قادرة على وضعهم في مواقع المسؤولية في المستقبل القريب، فتلك من سنَن الحياة.
أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع
[email protected]
@al_moqatei