رواية «حضرة الجنرال» للجزائري كمال قرور: الطاغية وهندسة الخراب

محمد بن زيان

 

يتميز الكاتب الجزائري كمال قرور المسكون بهاجس المواطنة، والمشتغل في نصوصه على ما يتصل بها، بسرديته المتفاعلة مع المدونة الحكائية التراثية، خصوصا السيرة الهلالية. يقارب روائيا الديكتاتورية ويقوم بتشريح شخصية الطاغية الديكتاتور، تشريحا يتصل وينفصل عن مدونات كتاب جزائريين آخرين قاربوا الموضوع، كالطاهر وطار في أهم عملين من أعماله وهما «الحوات والقصر» و«عرس بغل» وياسمينة خضرة في «ليلة الريّس الأخيرة» ومرزاق بقطاش في «عزوز الكابران» وواسيني الأعرج في «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف» و«جملكيا» وعبد العزيز غرمول في «زعيم الأقلية الساحقة» وإبراهيم سعدي في «الأعظم»، وبعض نصوص سعيد بوطاجين وبعض قصص حميدة عبد القادر في مجموعته «مقهى مالاكوف»، وربما تحضر مع خصوصية كل تجربة، رواية «مجنون الحكم» للمغربي بنسالم حميش المسكون بالتاريخ والتراث، الذي عاد إلى الفترة الفاطمية وهي متصلة تاريخيا بموجات الهلالين.
رواية الديكتاتور ارتبطت بأدب أمريكا اللاتينية، وطرح البعض السؤال عن سبب تأخرها في الأدب العربي، رغم أن التراكمات التاريخية وحيثيات الراهن مقترنة بالحضور الطاغي للديكتاتور… ربما لا يمكن تقديم مقاربة إلا بتمثل السياق بكل تفاصيله، سياق سيرورة إنتاج الديكتاتور، سيرورة تؤدي إلى صيرورة تشكل كينونة الديكتاتور، الديكتاتور ليس فقط كشخص، وإنما كمنظومة تبدأ من الأسرة إلى أعلى مستوى في هرم السلطة، منظومة ما ترسب وشكّل الذاكرة والمخيال والمعايير والقيم، منظومة من تجلياتها أطروحة المستبد العادل التي سوغت باسم شعارات مختلفة الديكتاتورية، منظومة أنتجت ما عبّر عنه الصافي سعيد بـ«التاريخ الأسير والجغرافيا المتصدعة».

لا يمكن تقديم مقاربة إلا بتمثل السياق بكل تفاصيله، سياق سيرورة إنتاج الديكتاتور، سيرورة تؤدي إلى صيرورة تشكل كينونة الديكتاتور.

يقول الكاتب المصري أحمد مراد المختص في أدب أمريكا اللاتينية: «لا يشبه الديكتاتور إلا الروائي.. يقف أحدهما غالبًا في مكان مختلف، لكنهما يشتركان في عمل واحد هو إعادة اختراع العالم. الروائي يخلق على الورق بشرًا يشبهون البشر وواقعًا يشبه الواقع ولا يتطابق معه، والديكتاتور يخترع شعبه السعيد المصطف لتحيته على جانبي الطريق وبرلمانه المصفق كلما تفوه بحماقة من حماقاته! وليست مصادفة أن يحاول اثنان من عتاة المستبدين العرب (صدام والقذافي) كتابة الرواية، وليس مصادفة أن يحتفظ كاتب مثل غابرييل غارسيا ماركيز بصداقة قوية مع فيدل كاسترو، ولكنه يكتب رواية يذم فيها ديكتاتورًا آخر».
كمال واصل ما سبق أن دشنه في «الترّاس» بسردية تعيد التمثل الجمالي للتراث وباشتغال على لغة تقترب مما يعرف بالسهل الممتنع، وبحمولة تجسد التثاقف والتحاور مع المتعدد وبثيمات تفصح وتعبر عن هواجس تسكن الكاتب. في «حضرة الجنرال» يقتحم كمال ساحة الخطاب عن الديكتاتور بدون تسطيح وبدون تنميط، يمزج بتكثيف مدروس بين ما تجمع نظريا وعمليا عن الديكتاتور، يدخل في تناص مع سير ونصوص، يجرّد أحداثا ومسارات من العابر، ومن تمييع التفاصيل للمعنى ومن شخصنة تحد من إمكان تمثل الطاغية. الكاتب عشراتي الشيخ ذكرها مع كتاب عميمور عن الجزائر، والعقيد القذافي ورواية ياسمينة خضرة «ليلة الريّس الأخيرة» كثلاثة كتب عن القذافي و«في الحقيقة رواية كمال لا تتعلق بالقذافي تحديدا، وإن كان يمكن أن تشمله مع غيره من الديكتاتوريين»، فهي رواية قاربت شخصية الديكتاتور بالمزج بين وقائع ومسارات مختلفة، وبتوظيف للسيرة الهلالية، هذا الاستحضار نجده في روايات كـ»مجنون الحكم» لبنسالم حميش، ونصوص من أدب أمريكا اللاتينية، ولهذا يحضر ماركيز في «حضرة الجنرال»، يحضر مع السيرة الهلالية كمزج بين ما يتصل بسيرة الديكتاتور.
العنوان كعتبة نصية مختزلة بتكثيف دلالي لحمولة النص، كان ملخصا لما يتصل بمعادلة الحكم، التي ارتبطت بحسم محدّد هو الحسم بقوة السلاح، بمنطق القوة وليس قوة المنطق.. وفي المسار الجزائري لا يمكن تمثل الراهن بدون استيعاب الخلفيات التاريخية التي فرضت وجهة شعبوية انتصرت للقوة الممتلكة للسلاح، انتصارا بدأ في الترسخ قبل استرجاع الاستقلال لما تمت الإطاحة بما انبثق عن مؤتمر الصومام، أي أولوية السياسي على العسكري، بل حتى قبل ذلك، لما حدث الصدام قبل الثورة داخل التيار الاستقلالي في الحركة الوطنية، بين القيادة والشباب الممتلك لحس ثقافي وسياسي. واستمر ذلك طيلة عقود الاستقلال، بهيمنة «الشعبوية اليعقوبية»، وفي تصريح للرئيس الراحل هواري بومدين ضمن تصريحات أدلى بها للصحافي المصري لطفي الخولي، ما يفصح عن ذلك، لما نظر وتحدث باستهجان وإنكار عن سياسيي الحركة الوطنية، واقترن الحديث عن السياسي باستهجان كأن السياسة تهمة. الجنرال ظهر في الثمانينيات بعد عهد الكولونيل، وصار دالا على ما هو أبعد عن رتبة عسكرية، دالا في الحالة الجزائرية عن القوة التي تمسك بالخيوط وتحرك كل ما يتصل بالسلطة وتحرك قروض البنك والحاويات في الميناء والصحف.. وحسم لعبة الحكم ارتبط دوما بالجيش، والكثير من السياسيين في البلد ينتظرون الإيعاز من الجيش لدخول الانتخابات أو اتخاذ موقف ما، ورغم كل المتغيرات استمرت المعادلة مرتبطة بعلاقات البسط والقبض، بين محاور ثلاثة هي، الرئاسة وقيادة الأركان والمخابرات.

الكثير من السياسيين في البلد ينتظرون الإيعاز من الجيش لدخول الانتخابات أو اتخاذ موقف ما، ورغم كل المتغيرات استمرت المعادلة مرتبطة بعلاقات البسط والقبض، بين محاور ثلاثة هي، الرئاسة وقيادة الأركان والمخابرات.

العنوان يحيل إلى ما هو أوسع من ذلك، يحيل إلى مرجعية القوة في صياغة المصير. يشحن النص بأقوال وأسماء أفلاطون وأرسطو وابن المقفع واتين دولابسييه، وكتاب جزائريين كسعيد بوطاجين وعبد العزيز غرمول. ويستعيد ما قيل عن الاستبداد والطغيان وعن الأوليغارشية ويستحضر قول أفلاطون: «إذا انحرفت الأرستقراطية وتحوّل أبناؤها إلى إيثار الثروة على الشّرف، تحوّلت إلى الأوليغارشية/ حكم القلة التي لبابها جعْلُ الثروة أساس الجدارة وهو إثم فظيع»، وقول أرسطو: «الأرستقراطية حكومة الأقليّة الفاضلة العادلة، إلا أن الأوليغارشية فساد طبيعي لها» ويعضد بقول ابن المقفع: «وأمّا ملك الهوى، فلعب ساعة ودمار دهر».
يعيد تمثل السيرة الهلالية ويمزجها بوقائع تمثل تخييلا مستمدا من وقائع وأحوال، تخييلا يدفع المتلقي إلى استحضار نماذج معينة من الطغاة، تتعدّد النماذج ولا تنحصر وتلك قوة النص التي تنزاح عن التقيد والتحدّد. في قالب روائي كما كتب عشراتي الشيخ: «مزج فيه الأدب اللاتيني، بتوظيف غارسيا ماركيز بالنهل من تغريبة بني هلال وهي رواية تستوجب قراءة ثانية بعد إعادة قراءة تغريبة بني هلال. ولم لا، غارسيا ماركيز؟». يعيد كمال كتابة أخرى للسيرة الهلالية، وينسخ صيغة التغريبة بصيغة «التخريبة»، ويكون العنوان «حضرة الجنرال..التخريبة الرسمية للزعيم المفدى ذياب الزغبي كما رواها غارسيا ماركيز». وكما كتب الأديب الخير شوار: «يبدو أن الروائي كمال قرور في هذا العمل، أقدم على مغامرة فنية كبيرة عندما جعل «طاغيته» في مواجهة مباشرة مع «طاغية» ماركيز، الذي وقف عنده الكثير من الكتّاب لأنهم لم يتجاوزوه فنيا. ولم يكتف الكاتب هنا بتناول شخصية الطاغية، وإنما استحضر ماركيز نفسه كشخصية روائية، عندما وضعه وهو في خريف العمر وجها لوجه مع الطاغية العربي «ذياب الهلالي» داخل مستشفى واحد، ليطلب ذياب من غابرييل أن يكتب سيرته كما لم يكتب مثلها من قبل».
الطاغية في عزلته يستعيد مساره ويريد من غارسيا ماركيز كتابة سيرته، غارسيا الذي كتب عن طاغية أمريكا اللاتينية وأبدع ما عرف بالواقعية السحرية، الطاغية مسكون باستمراريته، لهذا يرغب في كتابة سيرته ويرغب في أن يكون الكاتب ساحر سرد كماركيز… في العزلة يستجدي الطاغية أي اتصال ويرغب في أن يبقى محور الحديث حتى لو بالهجاء، المهم أن يبقى شاغلا الناس. وهناك حالات واقعية لشخصيات أصبحت بعد استبعادها من الحكم، تتلهف على أي اتصال وذلك بعض ما يجعل الهوس بالسلطة مشتعلا. الطاغية يرغب في أن تكتب سيرته، حتى يتكرس تاريخ الطاغية ويستمر الحضور مجسدا الطغيان المستديم، قياسا بالتنمية المستدامة المسوقة في مصطلحات السنين الأخيرة.
الرواية محاولة تشريح للطاغية، تفكيك لما تشكّل به، حفر في ما صنع ذاكرته ومخيلته وما صهر أحاسيسه. الطاغية في ضعفه وفي اجتهاده للاحتراف في تقمص الدور القيادي… في نزواته المتناسلة والمتوارثة. وفي التشريح حضرت التخريبة ـ بعبارة الكاتب ـ تخريبة مسار الطاغية، التخريبة التي فخخت التاريخ والجغرافيا، التي رعت الدهماء، وحققت الغمة. لمواجهة وطأة الطاغية تحضر في رواية قرور السخرية السوداء، سخرية تبدو الأكثر تعبيرا عما يمكن قوله. فالسخرية الأقدر والأبلغ في صياغتها تمثل المفارقات التي ينتجها الطاغية الذي يشكل بعقده وما يتلبّس به موضوعا مفتوحا للاشتغال السردي. سخرية الكاتب توظف «الباروديا» بمزج المفارقة والتقاطع بين الأحداث والشخصيات، بين التخييل والسرد المرتبط بالتاريخي والواقعي. كمال قرور قدّم إضافة متميّزة برؤية وتقنيات تستعيد بنية الحكاية التراثية وتتثاقف مع المنجز الروائي المعاصر، كما في المدونة الأمريكوـ لاتينية.. روايته متصلة كما ذكرت بهواجسه كمثقف وكاتب مهموم بالمواطنة.

٭ كاتب جزائري

قد يعجبك ايضا