الشعر والهامشي… نظر في شعرية اليومي

محمد الديهجاني

 

الشعر كثرة وجمع وليس مفردا. أي إنه مقترحات عديدة، إذ لا يمكن في أي حال من الأحوال، حصره في مجرد القصيدة بمعناها التقليدي. ومن جملة هذه الأراضي المستباحة مع شعر الحداثة وما بعده، نجد قصيدة النثر، التي انفتحت بقصد بليغ على الهامشي واليومي، تواصلا وتفاصلا. ذاك الهامش الذي تبين في ما بعد أنه هو الذي يحرك حياتنا عكس ما كنا نتوهم. فالتفاصيل والجزئيات والأشياء التي تبدو صغيرة، هي التي تحرك القضايا الكبرى كما تقول النظريات الفلسفية ما بعد الحداثية. علما أن الحكمة الصينية قد انتبهت إلى هذا الأمر منذ زمن طويل حينما قالت، بأن رفرفة الفراشات تحدث أعاصير في المحيطات وأعالي البحار.
قصيدة النثر وجدت في السرد اليومي كدال إيقاعي جديد، بديلا حقيقيا لمعيار الوزن الذي لم يعد يستجيب لتعقيدات الحياة المعاصرة. لقد صارت مقولة قدامة بن جعفر وصاحب «العمدة» ابن رشيق وغيرهما من النقاد والبلاغيين واللغويين، ممن ساروا على الدرب ذاته يفصلون بين الشعر والقرآن، «الشعر كلام موزون ومقفى.. «، قلت لقد صارت الآن، في وقتنا الراهن، مجرد أثر أو شاهد على غنائية حياة عربية صحراوية، كانت في زمن مضى. أما وقد تحولت حياتنا المعاصرة إلى حياة سردية بامتياز، فإن الوزن لم يعد هو المحدد الأساس لشعرية النص حتى لا أقول القصيدة باعتبارها هي أيضا جزءا من هذا الأثر، بل هناك دوال أخرى أضحت تحقق للنص الشعري شعريته، لعل من بينها الإيقاع بتعبير هنري ميشونيك، الذي اعتبره أكبر الدوال، وهذا موضوع فيه نقاش، وكذا التخييل، وغيرهما من الدوال.

شعرية الحياة اليومية المعيشة تأسست مبكرا مع شعراء رفضوا فكرة التمييز بين مواضيع نافعة للشعر وأخرى غير نافعة، وبين لغة صالحة وأخرى غير كذلك.

شعرية الحياة اليومية المعيشة تأسست مبكرا مع شعراء رفضوا فكرة التمييز بين مواضيع نافعة للشعر وأخرى غير نافعة، وبين لغة صالحة وأخرى غير كذلك، كالشاعر السوري محمد الماغوط، وشعراء جماعة كركوك في العراق أذكر منهم سركون بولص وجان دمو وفاضل العزاوي، وشعراء رواد رفضوا التخندق في التصنيفات التجييلية كالشاعر العراقي سعدي يوسف. إن هذا الفتح، أقصد استباحة قصيد النثر لأرض الشعر، جعل الأفق يتسع وينشرح أمام شعراء شباب جعلوا الكتابة الشعرية تتطور في البلاد العربية بشكل لافت بفعل افتتانهم الكبير باليومي، ما جعل الفاعلية النقدية العربية تلتفت إلى هذا المجرى الجديد، الذي انحرف إليه نهر الشعر، فكان أن خصته بتوصيف نقدي جديد مازال مثار نقاش إلى يومنا هذا، ألا و هو الحساسية الجديدة.
ونتصور أن من ضمن ما تتميز به شعرية اليومي في جل ما كتب من داخل هذه التجربة، أو على الأقل في ما تيسرت لنا قراءته، الخصائص الآتية: البساطة والسرد، أي سرد الحياة وتفاصيلها، والاقتصاد والإيجاز في التعبير بما هو صدى للحظة الحياتية وصخبها العابر عبور وميض لامع، والمفارقة التي من شأنها أن تخلق الدهشة لدى القارئ.
المفارقة هنا بما هي انقطاع وتوتر في العلاقة بين عناصر هذه التفاصيل أخذا بنظر روني توم في النظرية الكارثية لديه.
إن اشتغال شعراء الحساسية الجديدة وكذا انشغالهم بالتفاصيل اليومية، جعل الكتابة الشعرية تعيد رتق الصلة بالحياة في جزئياتها الصغيرة، من داخل بناء فني جمالي جديد. بناء عار من المساحيق الباهرة والقضايا الكبرى لفائدة البساطة واللاألفة. البساطة هنا لا بمعنى التسطيح أو الإيضاح الفج، وإنما بقصد الغوص الأركيولوجي في الحياة اليومية بنعومة اللغة المحكية وسردية الواقع، أليس السطح هو الأكثر عمقا كما ردد الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه ذات فكرة؟ وجدير بالإشارة إلى أن انفتاح شعراء الحساسية الجديدة على أفق اليومي والهامشي والعارض، جعل الكتابة لديهم تنحو منحى مختلفا تماما عما درجت عليه عادة الشعر العربي، لدرجة أنه أصبح من العسر تصنيف هذا النمط الشعري الجديد في نوع محدد، لأنه دائم الانفلات ومنفتح باستمرار على احتمالات ومفاجآت لا تنقطع، إذ اكتفى البعض بنعتها بـ«القصيدة اليومية» والبعض الآخر وصفها بـ«قصيدة التفاصيل»، وإن كنا نختلف مع هذا التوصيف – أي القصيدة- جملة وتفصيلا. فالقصيدة مفهوم قائم بذاته، ومقترح شعري آخر في سياق آخر. وهذه حكاية أخرى لا يسع المقام للخوض فيها. وغير خاف أن شعرية اليومي، تسعى جاهدة إلى اختراق المألوف في الحياة اليومية، بغاية هدمه وإعادة خلقه من جديد، لا بهدف تكراره كما قد يظن البعض.

شعرية اليومي لدى شعراء ما بعد الحداثة، جعلت من الواقع المريض (القبيح) مادة تخييلية خصبة من أجل استخلاص اللامألوف من المألوف المعيش.

والخلق ها هنا لا يتحقق إلا بتغريب هذا الواقع، وإضفاء اللاألفة على المألوف فيه لدرجة أنه يبدو غريبا على القارئ، على الرغم من أنه يصادفه صباح مساء. والسر في هذا العماء هو فعل التعمية الذي يقوم به الشاعر باللغة، وقلب نظم الأشياء بما يخلق الدهشة والغرابة في آن لدى القارئ. والشاعر وهو يولج اليومي في الشعري، يصبح مثل ذاك الأعمى الذي يقود البصير في المجهول، نقلا عن حكاية الشاعر العباسي الضرير بشار بن برد.
إن شعرية اليومي لدى شعراء ما بعد الحداثة، جعلت من الواقع المريض (القبيح) مادة تخييلية خصبة من أجل استخلاص اللامألوف من المألوف المعيش.
استخلاص الجمال من قبح الواقع، رغما عن أنفه مثلما فعل الفنان الشهير فانسان فان غوغ عندما رسم أحذية بالية قبيحة المنظر وتحولت بفعل رؤيته (عينيه) الجمالية التي أضفت عليها جمالية وجاذبية، إلى أحذية مشهورة. أليس في القبح، إذن، جمالية كما لوح الفيلسوف الفرنسي الفينومينولوجي ميرلوبونتي من قبل؟ أليس، عطفا على ما سبق، في عودة الشعر إلى الأشياء الصغيرة كما هي في الواقع، بقبحه أحيانا، هي عودة إلى الجمال وإلى الحياة الأصلية في التجربة الإنسانية؟

٭ شاعر وناقد من المغرب

قد يعجبك ايضا