إبدالات الاستبداد في عصور الأنوار

رشيد المومني

 

تتحقق استمرارية الأشياء، من خلال تجديدها لإبدالاتها التي تؤمن لها سلاسة انتقالها من شكل لآخر، ومن هيئة لأخرى، باعتبار أن هذا الانتقال هو السبيل المؤدي إلى تحولاتها وانفتاحاتها على المستقبل. فنحن مهما اقتنعنا بفناء الشيء واحتجابه، فإنه يكون دائما جاهزا للإعلان عن حضوره المختلف بهيئة مغايرة، إما في المكان ذاته، أو في غيره من الأمكنة القريبة أو البعيدة. علما بأن الشيء هنا، يمكن أن يتقدم باعتباره إبدالا لفكرة، ولممارسة، ولصورة، أو ذات.
و في حالة تناولنا لظاهرة الاستبداد، بوصفه نموذجا لأصل كوني متجذر في تربة الوجود، فإننا سنقتنع بكونه النواة المثالية لتنامي وتكاتف غابات لا حصر لها من الإبدالات، التي تتجدد عبرها أقنعته وقوانينه على امتداد الأزمنة. علما بأن هذه الأقنعة، ليست في نهاية المطاف، سوى التعبير غير المباشر عن مسخ متعطش لهيمنة متوحشة ومتسلطة.
وإذا كان من الطبيعي مقاربة ملامح هذا المسخ، ضمن إبدالاته في غياهب العصور المظلمة، فإن الأمر سيكون بمثابة مفارقة مثيرة للجدل، حال تناولنا له في علاقته بعصر الأنوار، لكن قبل ذلك، لن تفوتنا الإشارة إلى تحفظنا من فكرة حصر خريطة عصر الأنوار، في أمكنة وأزمنة محددة، ذلك أن التطلع إلى النور، باعتباره رمزا موضوعيا لاتساع زاوية الرؤية ووضوحها، وبكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد إنسانية وثقافية، هو أحد أهم الخصائص المميزة للكائن، مجسدة في بحثه الدائم عن الشروط المؤهلة للانتقال بحياته نحو الأفضل، حيث تتضاءل بسطوع كل نور أسباب الكبوات، وحيث يحظى الجسد بحرية انتقاء وجهاته وغاياته، بعيدا عن إكراهات الظلمة، وبؤس سوداويتها. لذلك، فإن عصر الأنوار ليس من وجهة نظرنا، أكثر من نموذج حداثي، مندرج ضمن عصور أخرى متنورة، عاشتها الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها.

عصر الأنوار ليس من وجهة نظرنا، أكثر من نموذج حداثي، مندرج ضمن عصور أخرى متنورة، عاشتها الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها.

إلا أننا، وتلافيا لأي سوء فهم، لن نتردد نحن أيضا، في اعتبار عصر الأنوار بمفهومه المتداول لدى مؤرخي الحداثة ومنظريها، حدا فاصلا بين الأزمنة الظلامية ذات المرجعية الكنسية، وعصور الخلاص والحرية، بتنوع وتعدد مرجعياتها التغييرية، المنتصرة لقوانين العقل ومرتكزاته. كما أننا لن نتردد في سرد الكثير من المسلمات التي يتم على أساسها التنويه بسيول النظريات والمنظومات الجارفة، المتدفقة من أوراشه، كما لو أن الأمر يتعلق بمهمة إعادة خلق كون جديد، بكائنات تجري في عروقها دماء قيم ومفاهيم، تقطع بشكل تام مع الأزمنة الظلامية، التي عانى خلالها العقل من حجر سلطات تتواطأ فيها مكائد السماء مع مكائد الأرض، حيث لن يكون في وسع المهتم، القيام بجرد كاف وشاف، لمختلف التيارات الفلسفية والفنية والأيديولوجية، التي تطايرت شظايا انفجاراتها في كافة الجهات، على امتداد ثلاثة قرون من ظهور بوادر الحركة إلى الآن. وهي حالة جد طبيعية، إذا ما وضعناها في سياق اكتشاف الذات البشرية لطاقاتها، التي كانت ولأزمنة طويلة، سجينة أقبية تتحكم فيها سلطات قمعية ومتعالية، أجبرتها على الاستسلام القسري إلى عمى مزمن، يتعذر معه أي أمل في الرؤية أو التفكير، حيث لا مجال لإنكار الدور الذي لعبه اكتشاف هذه الطاقات البشرية الجديدة، في إحداث زلازل جذرية داخل البنيات الثقافية والمجتمعية، ما أدى إلى تعدد أوراش البحث والسؤال، وتسلسل حلقات معرفية لا متناهية، تتداخل دوائر اختصاصاتها وتتشابك، بقدر ما تتقاطع وتتعارض. فيما تعددت كلمات سرها، على غرار العقل، المنطق، الحس، المنهج، التجربة، الحقيقة، الحرية، الذات، البرهنة، الاستدلال، التاريخ، وغيرها من الكلمات التي اخترقت بسحريتها كافة الحقول العلمية والفلسفية والسياسية والأخلاقية، فكان لها دورها الفعال في بناء أنساق فكرية، اتخذ أغلبها أبعادا أيديولوجية، سيكون لها دورها الكبير في مضاعفة شحنة الأنوار، التي ستحتفي ببلوغها درجة الذروة في الحربين العالميتين، حينما أخذت تدريجيا شكل نار قادرة على التهام الأخضر واليابس، بوقود هي شعوب وأمم كاملة بمجموع ما تمتلكه من حضارات، وهويات. وتلك هي المفارقة الكبرى التي تهمنا في هذا السياق، والمؤشرة على قدرة مبارحة الاستبداد لأقبية العصور الوسطى، كي يتجدد في صيغة إبدالات فكرية ونظرية، تختال بين منتزهات عصر الأنوار وأروقته، لتتوزع أرواحها تلقائيا، وبشكل مضمر على أجساد النصوص الإبداعية والفلسفية والبحوث التجريبية، التي كانت في مجملها مصابة بسعار تملّك الحقيقة، والمندرج عموما ضمن إطار سعار التملك. فقبل عصر الأنوار لم تكن ثمة من حقيقة /حقائق، عدا تلك التي تقدمها التعاليم الكنسية، عبر ما تكرسه من نصوص ومحكيات، كما أن جل الأسئلة التي كان الكائن يتورط فيها، محصورة في رقعة هذه النصوص والمحكيات، حيث ليس له أن يبارحها للبحث عن الأجوبة في مكان غير ذاك الذي تقره العقيدة. إن دوره بهذا المعنى يختزل في تقبل ما يلقى إليه من عل، وليس في التنقيب عما لا علم له به، خارج الدائرة الخاضعة لسلطة اليد الأولى، والمعنية أساسا بتدبير شؤونه بصيغة الأمر والنهي. لكن مع عصر الأنوار، تم وضع حد لهذه العلاقة القدرية، أي مباشرة بعد أن كشفت قوة الإنارة عن حدود لامتناهية ومتعددة، لتخوم لم يطأها من قبل وهج الرؤية، التي حفزت الذوات الفردية والمجتمعية على التعجيل بالاستحواذ على نصيبها من غنائم الحقيقة، وقد بدت متناثرة، تشع ببريقها تحت شمس الأنوار.

لقد بات الجميع معنيين بالعثور على الحقيقة «الحقيقية» والمحتجبة بين أخاديد تلك المتاهة اللامتناهية المكشوفة تحت أنوار العقل.

وفي غمرة ذلك التهافت العام والشامل، كانت تتصاعد بين الأطراف، حدة الصراع والمنافسة المشوبة بشراسة البرهنة والاستدلال، من أجل إثبات أولوية الحقيقة، التي تمكن كل طرف من تملكها. لقد بات الجميع معنيين بالعثور على الحقيقة «الحقيقية» والمحتجبة بين أخاديد تلك المتاهة اللامتناهية المكشوفة تحت أنوار العقل. وهذه الوضعية الموسومة بغبطتها الاحتفالية، لم تكن تخلو من حس الفوضى، بحكم ما يتخللها من تشنج، وبحكم هيمنة حالة التخوف من عودة الأزمنة الظلامية، ذلك أن الفوز بنعمة الخلاص باعتباره رهانا إنسانيا وتاريخيا، أمسى مطلبا لن يتحقق إلا من خلال تملك حقيقة، تمارس دورها المعرفي والحاسم، في تحديد أسسه ومرتكزاته، وكذلك في تفعيل مكوناته وتوجيهها، بما ينسجم مع طبيعة الآفاق المنتظرة التي تعد بها أزمنة الأنوار. وبالنظر إلى تعدد وتباين منهجيات استجلاء هذه الحقائق واستنطاقها، فقد كان من الطبيعي أن تأخذ شكل سجالات مشوبة بغير قليل من العدوانية المضمرة أو الصريحة بين من يعتبرون أنفسهم تحديثيين وعقلانيين، ومن يعتبرونهم تحريفيين وطوباويين، وغيرها من التوصيفات التي تبلورت في خطابات الأدباء والفلاسفة، الذين تألقت أسماؤهم في فضاءات الثقافة الإنكليزية والفرنسية والألمانية.
مجمل القول، إن هذه التيارات والمذاهب والنظريات، بقدر مساهمتها في انفلات الكائن من ربقة الظلمات الكنسية واستبدادها، بقدر ما ساهمت أيضا، في توفير الشروط الملائمة، لإعادة إنتاج إبدالات استبداد حداثي مؤطر بحيثياته المعرفية، التي كان من نتائجها، بزوغ أنظمة شمولية، ومتغولة وضعت البشرية وإلى الأبد، في أتون كوارث متناسلة، حتى وهي تتظاهر باحتجابها خلف إبدالات كاذبة مداهنة، من قبيل الحرية والعدالة والمساواة، ما يوحي بأن مسلسل الخروج من قمقم الظلمات وهمجية استبدادها، يحتاج إلى قرون إضافية ستتناسل فيها وتتطاحن، المزيد من الأفكار والنظريات والفلسفات المعززة بسوداوية أنوارها.

٭ كاتب مغربي

قد يعجبك ايضا