رسالة مفتوحة إلى المخرج أسد فولادكار
غادة السمان
صديقة لبنانية جاءت لقضاء إجازة في باريس، حملت لي معها مجلة «نادين» لصاحبها عوني الكعكي نقيب الصحافة اللبنانية.
حين أقمت في باريس «أجمل منفى في العالم» منذ ثلاثة عقود ونصف كانت المجلات والصحف العربية كلها تصلنا، أما اليوم فصار وجودها شحيحاً.. ولذا أطلب من صديقاتي كلما زرن باريس أن يحملن لي «هدية» هي ما تبقى من صحف لبنان ومجلاته لأنها نافذة على وطن أحبه وأتمنى أن يظل عاصمة للحرية العربية. قالت لي صديقتي إنها حملت لي هذا العدد من مجلة «نادين» لأن فيها ما ينبغي أن أطالعه، لأنه يخصني..
حوار مع «أسد» الإخراج، اللامع مهنياً…
وهكذا قرأت في «نادين» حواراً مع المخرج أسد فولادكار (38 سنة) وقدمته كاتبة الحوار ندى عماد خليل على أنه «المخرج صاحب الاسم الذهبي في عالم الإخراج في مصر والسعودية ولبنان وغيرها». وفي معرض الإجابة عن سؤال ندى عماد خليل حول عمله على تحويل روايتي «كوابيس بيروت» إلى فيلم سينمائي قال حرفياً: «منذ صغري نشأت على روايات نجيب محفوظ وتوفيق يوسف عواد وغادة السمان التي كنت أعشق قراءتها، وهي التي خلقت خيالي وأفكاري في صغري. بالنسبة لي هي أشبه بتمثال، وإن تبدِ موافقتها وحماستها لكي أخرج هذا الفيلم فهو أمر يؤثر فيّ ويفرحني كثيراً».
ويتحدث بعد ذلك عن الرواية بكثير من التعمق مضيفاً: «يا الله، ما أجمل هذه الرواية! هي قاسية جداً وصعبة جداً، وأقدر أن مايا حبلي متحمسة لها أيضاً». (السيدة مايا صاحبة شركة إنتاج).
لا أريد أي مقابل مادي!
هذه الشهادة أصابتني بعدوى الحماسة، فمن الجميل أن يقوم بإخراج روايتي مبدع في حقل تجول في دهاليزها وطالعها بتعمق. ولا أجد ما أرد به على صدق هذا المخرج الشاب غير إعلاني له وللعزيزة المنتجة مايا حبلي وشركتها أنني لا أريد أي مقابل مادي إذا أخرج أسد فولادكار روايتي للسينما. واتصلت بالأخت مايا هاتفياً قبل قليل وقلت لها إنني لا أريد مقابلاً مادياً ما دام أسد فولادكار هو المخرج!
ألم يتأثروا بكتابات نساء؟
سرني ما قلته يا أسد لأنه يتضمن نقلة نوعية شابة في النظرة (الذكورية) التقليدية إلى عطاء المرأة الأدبي.
وكل من يقرأ حواراً مع هذا الأديب العربي أو ذاك يجده حين يجيب عن السؤال المألوف «بمن تأثرت؟» يذكر العديد من الأسماء، لكنه لا يذكر اسم مبدعة عربية امرأة على الرغم من أنه قد يكون تأثر بها حقاً. لم أقرأ في حوار مع أديب عربي قوله إنه تأثر بنازك الملائكة مثلاً، أو فدوى طوقان، أو سلمى الحفار الكزبري، وسواهن من المبدعات العربيات، ولا تتضمن الإجابة غير (ذكور) الأدب.. والبعض قد يستكثر حتى على المبدعين العرب ذكر أسمائهم، فيذكر أنه تأثر بأسماء غربية يعددها بفخر مستكثراً على نجيب محفوظ مثلاً (فضله) الأدبي.
ليس للإبداع أعضاء جنسية!
من وجهة نظري، الإبداع إنساني ولا يوجد أدب «ذكوري» وأدب «نسائي»، كما يقول البعض. وللمرأة الكاتبة حق اختيار بطلها من ذكور وإناث، وإذا اختارت امرأة لبطولة روايتها فذلك لا يدمغها كما لم يدمغ فلوبير روايته عن (مدام بوفاري) ولا تولستوي بدايته عن (آنا كارنينا) وسواهما. ولم ينتقص من قيمتهما الإبداعية اختيارهما لبطلة أنثى لعمل روائي، فلماذا يحق للذكور المبدعين ما لا يحق للنساء الكاتبات؟
المقياس في نظري هو إبداع العمل بغض النظر عن «جنس» كاتبه، أو جنس بطل عمله. واعتراف مبدع بأنه تأثر بكاتبة لا ينتقص من قيمته، والجميل أن شاباً مخرجاً سينمائياً ناجحاً هو أسد لم يجد غضاضة في الاعتراف بتأثره بكاتبة عربية. هذه علامة على طريق، وخطوة رائدة.
النساء أيضاً قلما يعترفن بذلك!
(ذكور) الأدب العربي ليسوا وحدهم كذلك، فحتى حين يُطرح السؤال «بمن تأثرتِ» على كاتبة، قلما تذكر اسم كاتبة أخرى ولا تلحظ أنها ضمناً تنتقص من قيمة نفسها أدبياً.
من طرفي، أعلنت من زمان تأثري بفدوى طوقان في كتبي الشعرية أكثر من تأثري بقريبي الشاعر نزار قباني مثلاً، كما فرحت حين أهدتني فدوى طوقان في أحد كتبها الشعرية قصيدة..
وحين صدر مؤخراً لسعاد الصباح ديوان جديد كتبتُ عنه ووجهت نداء إلى زميلات الحرف المبدعات المخضرمات، أمثال كوليت خوري وليلى بعلبكي، أحفزهن على متابعة الدرب، وهو ما أفعله أيضاً مع رفاق الأدب الذكور حين يتوقف مبدع منهم عن الكتابة.
اللغة السينمائية تختلف عن الأدبية الروائية!
لا تقلق يا أسد فولادكار، فأنا لن أتدخل في السيناريو لأنني أعرف أنك ستترجم كلماتي إلى لغة أخرى هي «اللغة السينمائية». وحين أَخرج السوري سمير ذكرى روايتي «فسيفساء دمشقية» في فيلم بعنوان الفصل الأخير في الرواية «حراس الصمت» (ولم يصب حظاً في التوزيع لأسباب سياسية)، قلت له منذ البداية إنني لن أشاركه كتابة السيناريو لجهلي باللغة السينمائية! وثمة مثال لا ينسى على ذلك، فقد شاهدت مثلاً فيلماً مقتبساً عن رواية ستيفان كينغ واسم الفيلم The Shining وكان الإخراج رائعاً كما انتقاء الممثلين مثل جاك نيكولسون. لكن حضرة الكاتب القدير للرواية كينغ توهم أنه يستطيع إخراج روايته بنفسه على نحو أفضل! وفعل ذلك، فجاء فيلمه مطولاً مملاً ومن الدرجة الثالثة!
وحين اتصل بي مخرج يريد تحويل روايتي الأخيرة «يا دمشق وداعاً» إلى فيلم طالباً مني كتابة السيناريو اعتذرت عن ذلك، لأنني أجهل اللغة السينمائية!
وهكذا سأرى فيلمك يا أسد حين يتحقق بصفتي مشاهدة أولاً لا بصفتي كاتبة. وأتمنى لك التوفيق مع هذه الرواية الصعبة.. فكوابيس بيروت صارت كوابيس العديد من البلدان العربية أيضاً للأسف.. إنها كوابيس زماننا العربي..