الولايات المتحدة… عودة إلى القاهرة وتهديد لإيران

 

مرت نحو عشر سنوات منذ 4 حزيران 2009، وفي هذا اليوم في خطاب مبدئي ألقاه في جامعة القاهرة دعا الرئيس حديث العهد براك اوباما إلى فتح صفحة جديدة ومتصالحة في علاقات الولايات المتحدة مع الإسلام. فقد اعتذر في حينه على الدور الذي أدته إدارة الرئيس آيزنهاور في الانقلاب العسكري الذي أدى في العام 1953 إلى تنحية رئيس الوزراء الإيراني، محمد مُصدق. من الصعب التصديق، ولكن أوباما اختار أن يسحب من غياهب النسيان الحدث الوحيد الذي تعاونت فيه الولايات المتحدة من خلف الكواليس مع بريطانيا من أجل تغيير الحكم في طهران فتمنع بذلك فرارها المحتمل من مجال النفوذ الغربي، وذلك رغم السعي الذي لا يكل ولا يمل لنظام آيات الله الإيراني نحو القنبلة، وفي ضوء النشاط الإرهابي والتأمري الإقليمي المتفرع الذي يبادر إليه ويشجعه.
اليوم، بعد أن تبددت آمال اوباما في رفع إيران إلى مسار السلوك المعتدل وتحطمت على أرض من السلوك المتمرد والعنيف ـ عادت إدارة الرئيس ترامب إلى جامعة القاهرة. وكان على لسانها رسالة جديدة، تختلف تماماً عن رسالة سابقتها. وبالفعل، فإن «خطاب القاهرة» الذي ألقاه وزير الخارجية مايك بومباو في 10 كانون الثاني، كان بعيداً سنوات ضوء عن الاعترافات العلنية لأوباما بخطايا الولايات المتحدة في الماضي السحيق، وعكس بإخلاص التحول الذي طرأ على التفكير الأمريكي في السنوات التي انقضت منذ دخول ترامب إلى الغرفة البيضوية. فرسالة بومباو لم تكن فقط قاطعة ولا هوادة فيها، بل كانت تنطوي أيضاً على بشرى مشجعة للمعسكر السُني المعتدل في كل المجال مثلما للحليفة الإسرائيلية.
يدور الحديث عن إعادة تأكيد مدوية للالتزام الأمريكي بعدم ترك الساحة الشرق أوسطية أبداً، كجزء من النهج الانعزالي الجديد الشامل لإدارة ترامب. ومع أن مفعول «عقيدة آيزنهاور» نفت ظاهراً، وهو الذي كان منح شرعية لإرسال القوات البرية الأمريكية إلى هذه المنطقة، عكست أقوال وزير الخارجية في القاهرة استراتيجية قوة تستند إلى الردع والإنفاذ (في الحالة المتطرفة أيضاً إلى استخدام الخيار العسكري) للممثلة الأكثر خطورة لمحور الشر، ألا وهي إيران (فما بالك تجاه كل أقمارها).
كل رجال الرئيس، بمن فيهم بومباو، يشيرون إلى أن سلوكهم تجاه التهديدات المباشرة على أمن الولايات المتحدة كفيل بأن يكون قاسياً وكفاحياً، وسيكون في صندوق الأدوات الأمريكي استخدام أيضاً، ولا يقتصر الأمر على تهديد للقوة القاسية عند الحاجة. وبخلاف سوريا، لا تعد إيران نفسها في نظر البيت الأبيض بلداً محيطاً، بل بؤرة مركزية عظيمة الأهمية. وعليه يشهد توجه مستشار الأمن القومي جون بولتون إلى البنتاغون لإعداد خيارات عسكرية لعملية ممكنة ضدها. إلى جانب ذلك تنبغي الإشارة إلى العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الإدارة على إيران منذ انسحاب ترامب من «اتفاق فيينا».
من هذه الناحية نقل بومباو في القاهرة رسالة لا لبس فيها: الانسحاب من سوريا (الذي بدأ للتو) ليس مثابة ضوء أخضر لطهران لمواصلة العمل دون عراقيل في أرجاء المنطقة. العكس هو الصحيح. المقصود هو حشد المقدرات ـ لأمريكا وشركائها الإقليميين على حد سواء ـ بتشديد الضغط على النظام في طهران، وهكذا المس بقدرتها على تحقيق رؤياها النووية ومواصلة كونها دفيئة للإرهاب.
إن التشديد الذي وضعه وزير الخارجية في خطابه على استعداد ترامب إقامة أطر جديدة للتعاون الاستراتيجي مع المحور السُني المعتدل، وهكذا مساعدته لمواجهة التحدي الإيراني، يشير إلى أن أمامنا عقيدة جديدة تتمثل بصد مركز وموضعي. ولا يدور الحديث عن مبدأ التضامن المتبادل في سياق واسع، بل عن تطلع للاستعداد بتصميم لمواجهة تهديد محدد ومعرف جيداً، وفي ظل الاستناد إلى قوات برية محلية وإلى غلاف أمريكي داعم ومساند، وعند الطوارئ نقاتل أيضاً.
في المستقبل القريب سيتبين إذا كانت هذه الصيغة متعددة الأطراف التي يمكن أن نرى فيها صيغة مصغرة لحلف الناتو، ستتحقق وتصبح حاضراً جديداً. وذلك إذا كانت الدول التي يفترض بها أن تشارك في هذه الشراكة الجديدة ستجتمع وتبلور صيغة متفقاً عليها للعمل برعاية المهيمن الأمريكي.

البروفيسور ابراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 14/1/2019

قد يعجبك ايضا