معلمتي الفاضلة
نفيعة الزويد
قابلتها بطريق الصدفة في أحد المولات التجارية، وعرفتها من الوهلة الأولى، لأنها لم تتغير هي بعينها معلمتي نسيمة ناصر في المرحلة الثانوية، ذات الشخصية الرزينة، الهادئة والحازمة بنفس الوقت. عرفتها لأنها ما زالت بنفس الاناقة في لبسها، ومحتفظة برشاقتها على الرغم من سنوات التقاعد، وتتميز بابتسامة ناعمة خجولة تزيدها إشراقاً.. لكن أكثر ما لفت انتباهي هو نضارتها وجمالها الطبيعي، الذي لم يتغير، وهذا ما نفتقده في بنات اليوم بسبب كثرة التجميل والاضافات، التي ضيعت معالم وجوههن، كانت المعلمة الفاضلة نسيمة وجيلها من المعلمات يتميزن بالإخلاص والعطاء بلا حدود في التدريس، حتى الخمس دقائق بين الحصة والأخرى كانت تستغلها لإعطائنا أكبر قدر من المعلومات والشرح الوافي، وكانت تجيب على كل سؤال من طالباتها، سواء كان السؤال في المنهج او من خارجه، وهذه من أهم الأسباب التي جعلتنا لا نلجأ للدروس الخصوصية آنذاك. وكانت المعلمة نسيمة تتخطى حدود درس اللغة العربية، لتقدم النصح لطالبات في سن المراهقة، وذلك باحترام الطرف الآخر، وكيفية التعامل مع من هم أكبر سناً، وكانت توصينا بالأخلاق الحميدة وباللبس المحتشم بما يناسب مجتمعاً كان محافظاً أكثر منه اليوم.
وتحدثنا عن المشاركة بالأنشطة الاسبوعية لتنمية مواهبنا العلمية والأدبية.. نعم، معلم الأمس كان قوي الشخصية الى جانب الثقافة العامة، وهذا السبب الذي جعلنا نحترم معلماتنا ونقدرهن على عكس الكثيرين من طلبة اليوم، الذين تجاوز بعضهم الخطوط الحمراء مع معلميهم، لأن معلم اليوم اصبحت ــ في الغالب ــ معرفته في حدود منهجه فقط ومن دون تطوير الذات، وهذه النوعية أصبحوا ينتظرون بفارغ الصبر جرس نهاية الحصة، منتظرين راتب آخر الشهر، وكأن وظيفة التدريس أصبحت جسر عبور للترقيات، ومن ثم التقاعد بالنسبة لهؤلاء، لذا كثرت الظواهر السلبية في الحقل التربوي.
أخيراً، لا يسعني إلا ان أقول شكراً استاذتي الفاضلة على كل حرف وكل كلمة استقيتها منك، وشكراً على كل نصيحة أسديتيها لي ولزميلاتي. وهذا اللقاء العابر اصبح حافزاً لي وزادني قوة وتفاؤلاً، وأعاد الى مخيَّلتي شريطاً سينمائياً كاملاً عن حياتي في المرحلة الثانوية، ومن بعدها عملت في السلك التربوي 33 عاماً، وتقاعدت قبل عامين عن مسمى موجهة، وكل ذلك بفضلك وفضل معلمات الجيل الذهبي أطال الله في عمرك وألبسك ثوب الصحة والعافية.
قيل:
بُعِثَ المعلِّم في الأنام رسولا
فـأنـار أفـئدةً وزان عـقولا
ذاك المعلِّم لست أنسى فضله
ما دمت في قيد الحياة ظليلا