لماذا تصر حماس على عودة نتنياهو؟
جاءت أقوال أبو مازن بضبط كبير للنفس، وإن كانت أخفت شهية مشتعلة. أمام قاعة مليئة بالإسرائيليين والفلسطينيين في المقاطعة في رام الله، أعرب رئيس السلطة عن أمله في أن تأتي الانتخابات في إسرائيل بحكومة تمد يدها للسلام. لم يذكر أسماء، ولكن لا حاجة للمرء أن يعرف السلطة عميقاً كي يعرف بأن أبو مازن يحلم بتحول. فقد كانت أيام نتنياهو بالنسبة له مصيبة، حيث رفض رئيس وزراء إسرائيل التقدم في المسيرة السلمية، وكثف الاستيطان وتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تجنيد ميزانيات الدعم المختلفة للفلسطينيين.
في اجتماع نشطاء السلام إياه، الذي وقع الأربعاء الماضي، بدأت السلطة حملتها الانتخابية للكنيست التالية. فهم على وعي بقيود التأثير التي لديهم على الناخب الإسرائيلي. ولهذا فإن حملتهم ستكون حذرة. هنا وهناك ستسمعونهم يطلقون صوتاً ويذكرون بأن خيار السلام لا يزال مفتوحًا. هكذا فعل أبو مازن في ذاك الاجتماع حين قال إنه يريد أن يلتقي الجيل الشاب من الإسرائيليين. ولكن لو كان الأمر بيده واضح أي بطاقة كان الرئيس سينزلها إلى صندوق الاقتراع. كان سيصوت «كله إلا بيبي».
مفاوضات وثيقة
فماذا يقول مقياس النبض في غزة؟ من يريد يحيى السنوار وإسماعيل هنية أن يرياه في رئاسة الوزراء؟ بخلاف التصريحات التي ستسمعونها عنهما في الأسابيع القريبة القادمة، في أن كل حكومة ستأتي هي عنصرية وعدوانية وبالتالي فمن ناحيتهم كل اليهود هم الأمر ذاته، فإن السنوار ورجاله يتابعون ما يجري هنا على أساس يومي تقريباً. السنوار نفسه خبير بالعبرية ويبلور الكثير من مفاهيمه عما يجري هنا من المشاهدة المباشرة للبث التلفزيوني والإذاعي في إسرائيل.
وهو ليس الوحيد. ففي أوساط قادة حماس في الدوحة، ولدى رفاقهم في إسطنبول متحدثون بالعبرية يتابعون الساحة الإسرائيلية بثبات. ولا يدور الحديث عن مستمعين صغار، بل عن الأكبر. كل واحد منهم خبير بالسياسة الإسرائيلية ويحوز آراء معللة تحققت بعد متابعة تعود لسنين للشخصيات البارزة في القدس.
أما نتنياهو فيعرفونه من الإعلام الإسرائيلي؛ فقد خاضوا معه ومع رجاله مفاوضات وثيقة في السنة الأخيرة لتسوية تهدئة على طول الجدار. مبعوثون كثيرون ومختلفون نقلوا رسائل من غزة إلى القدس وتل أبيب بكثافة لم يسبق لها مثيل. السنوار يعرف نتنياهو إذن، كمفاوض أيضاً، وليس كخطيب ميادين فقط. هو وحفنة أخرى من الكبار والوسطاء تلقوا الرسائل الكثيرة من القدس. هذه معلومات حميمة، في معظمها عنيدة ومتشائمة، ولكن بوسعها أن تدل على من يقف أمامهم في الطرف الآخر.
فهل السنوار يفضل، يفهم الإمكانيات الحقيقية، استمرار وجود الحكومة الحالية؟ الرأي يقول نعم. ليس لأن رئيس وزراء إسرائيل رقيق ويراعي حماس، مثلما يدعي ضده المتذمرون منه في اليمين، بل لأنه قطع شوطاً طويلاً وعملياً منذ حرب غزة في 2014. ففي الصيف الماضي توصلت حماس وإسرائيل إلى تسوية وقف للنار. إسرائيل التزمت بتعهداتها، باستثناء عدة مرات سعت فيها لأن تستعرض العضلات. وبعد أن هدد الاتفاق بالانهيار، وجد الطرفان حقائب الدولارات. بعدها تغيرت الآلية، والدولارات القطرية نقلت إلى غزة بواسطة الأمم المتحدة. والطرفان سكبا الواحد على الآخر الكثير من النار والرصاص. ولكن حماس لاحظت أن حكومة إسرائيل تحرص على مواصلة الحديث، لا تفجر المحادثات وهي بعيدة عن التراجع. وفي الميدان سعى الطرفان إلى الاشتباك، وفي القنوات الدبلوماسية بحثا بعناد عن مخرج.
حصار غزة
في تجربة قيادة حماس في صيف 2018 شقت الفتحة الأولى والأكثر أهمية في رفع الحصار. فتحة ضيقة، أشبه بالشق، ولكن أساسها في الفكر، وآخرها فقط في الميدان. فالفكر في إسرائيل، الذي وجد تعبيره المرة تلو الأخرى في النوافذ العليا بأن الحصار لن يبقى إلى الأبد.
في غزة لا يتشوشون. نتنياهو ليس عزيز حماس. هو عدو. في فترة ولايته نغص الجيش الإسرائيلي حياتهم. وهم أيضاً نكلوا به. ولكن رغم كل ذلك، في السنة الماضية، في الاتصالات الخفية مع حماس، أثبتت إسرائيل تحكماً، وعناداً، ورغبة في عقد الاتفاقات.
يعرف السنوار أن هذه ليست متعة، ولكن مع نتنياهو يمكن عقد الصفقات. بين الطرفين نشأت منظومة علاقات لم تكن قائمة قبل ذلك. غير مباشرة، عنيفة ولكنها موجودة وقائمة. كما أن الوسطاء المصريين تعلموا أنه رغم صورة نتنياهو كمتطرف، كرجل يمين، كرافض للسلام ـ أمنياً، يوجد مع من يمكن الحديث.
قلة لاحظوا بأنه على مدى هذه السنة بدأت حكومة إسرائيل تتحدث بثبات عن الحاجة إلى حل المشكلة الإنسانية في غزة. حصل هذا بعد اندلاع اضطرابات الجدار في آذار 2018. بعد سنوات من ترويج الجيش لأعمال القطاع بدأ رئيس الوزراء ومقربوه الحديث عن المصلحة الإسرائيلية في الحل. غزة اليوم في وضع يائس. ولكنه أكثر تفاؤلاً بقليل عن ذاك الذي ساد هناك قبل سنة. والقدس على وعي أكبر من أي وقت مضى بالوضع المهزوز، وترى بعين العطف إعمار القطاع، وإن كانت لا تحرك بعد أي مسيرة ذات مغزى.
ينبغي أن تضاف إلى هذا أعمال الشغب على الجدار، التي تبنت كوسيلة ضغط ناجعة. فالمال القطري الذي يضخ بموافقة إسرائيل، وأبو مازن، الذي تبين كالرجل الشرير. كل هذه سياقات في صالح حماس.
للعنف على الجدار قيود من ناحيتهم، ولكن فضائله كثيرة؛ فهو يزعج إسرائيل، ولكنه يحرمها من المبرر لحملة عسكرية جدية. بفضله يعرف كل طفل في الغرب مشكلة القطاع، وفي الخطاب السياسي في إسرائيل، غزة هي مسألة ساخنة. كل هذا حصل في غضون أقل من سنة، بينما يجلس نتنياهو في القدس.
وماذا عن غانتس ويئير لبيد؟ هما أيضاً معروفان في غزة، وحماس تتذكر أفعالاً وتصريحات لهما، معظمنا نسيناها. فغانتس يعرفونه كرئيس أركان معركة الجرف الصامد. وبصفته هذه فإنهم يتذكرونه بالسوء. ومؤخراً تباهى بمسؤوليته عن إحدى مصائبهم. تصفية أحمد الجعبري، نائب محمد ضيف. ولكن هذه في نظرهم مشكلته الصغيرة. نقيصته الأساسية من ناحيتهم هي أنه سيكون مكنسة جديدة. واحد لا يمكن للمرء أن يعرف كيف سيتصرف. فقد يبادر إلى حملة لإعمار غزة، ولكن يمكن أن يفعل العكس بالضبط: سيرغب في أن يري قدرته على القيادة. ويده ستكون رشيقة على الزناد؛ وربما أيضاً يرتكب أخطاء مبتدئين. في تجربة زعماء حماس، فإن الأخطاء الأمنية ترتكب على ظهرهم، حتى وإن كان مواطنو إسرائيل سيعانون منها.
مع لبيد الأمر أخطر، وستنطبق عليه نواقص رئيس وزراء في بداية طريقه، ولكن ينبغي أن يضاف إلى هذا ميله المعلن يميناً. فعندما كان وزيراً للمالية، دعا إلى إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع. وفي السنة الأخيرة روج لاستئناف الاغتيالات لقاد حماس. من ناحيتهم لبيد سيكون رئيس وزراء جديد، مناهض للفلسطينيين، مع الحاجة لاستعراض العضلات.
باختصار لو كان الأمر بيد السنوار، فمن شبه اليقين كان سينزل بطاقة الليكود في صندوق الاقتراع. إن هؤلاء الفلسطينيين، حتى في صندوق الاقتراع، غير قادرين على أن يتحدوا.
جاكي خوجي
معاريف15/2/2019