في انتظار ربيع آخر
بروين حبيب
لم يكن فصل الربيع سوى موضوع للإنشاء التعبيري في الصفوف المبكرة للتعليم، إذ في الغالب ينتهي هذا الزائر السريع لبلداننا في بدايته، ونحن لا نزال في جوع إليه، فيمضي كأنه مجرد حلم، وفي تعبيرنا عنه، نصفه كالحلم تماما، يأتي وينتهي بدون أن نعيشه بكامل جوارحنا، يفوتنا ذلك في غمرة انشغالنا بألعابنا ودروسنا، وفي ملاحظة قد يجدها البعض مبالغا فيها، فأنا عرفت الربيع أكثر في القصص المكتوبة، ومسلسلات الكرتون الراقية التي كانت تملأ الشاشات على أيامنا، كان متعة أدبية أكثر منها فصلا نستمتع بأجوائه.
نحن حسب هذا المعطى كائنات «غير ربيعية»، كوننا نميل للشتاء أكثر، حتى أننا نستمد صوره الحزينة لديباجة نصوصنا وأشعارنا، ولعلنا نتفاعل أكثر مع اللغة ومُحفزات التعبير حين تهطل أمطاره، وتتبارز بروقه في السماء، وتتنافس غيومه مع رسوم المخيلة، شيء يشبه الاستعراض الذي يثير المشاعر ويجعلها راغبة في التعبير ووصف ما تراه. من هنا أعتقد أن فن القص الشفوي عندنا ولد في ليالي الشتاء الطويلة، ولا يزال حبيس هذا الفصل حتى حين غيرت وسائل التدفئة والإنارة من طقوس وأسباب القص. فقد ترك الشتاء آثارا جمة في الشعر العربي، من امرئ القيس إلى شعراء زمننا المعاصر، ولا أدري لماذا في أيامنا هذه يكتب شاعر عن نيران المدفأة، وكأنها تساير نيران عشقه؟ فقد أصبحت وسائل التدفئة معلقة في السقف، تبعث هواء ساخنا في صمت، وكأنها غير موجودة.
كل شيء تغير، أو هذا ما تبدو عليه الأمور، لكن تراها تغيرت ساعتنا الداخلية؟ تلك الساعة التي تحدد مواعيد نومنا واستيقاظنا؟ أو مواعيد أخرى تنكز أجسادنا بالرغبات الغريبة لامتصاص الشمس والهواء والماء المالح؟ إن لم يكن إيقاع حياتنا متصلا بفصول الحرث، والزرع، والإنبات والحصاد، فما جدوى كل هذه الحفلة التي نعيش في قلبها على مدى أربعة فصول؟ وإن لم نكن جزءا منها، فما معنى هذا الانكماش الذي يحدث في أعماقنا، هذا التراجع للخلف مثل خطوات راقصة، تفكر بقفزة طويلة في الهواء ألا يمكنه أن يكون محطة في كوريغرافيا متناسقة؟ فالفصول الأربعة أيضا إيقاع، بعضه نحبه وننسجم معه، وبعضــــه الآخر لا، وفي فرضية غربية، الخريف هو فصل الأدباء والشعراء والفنانين، الشتاء فصل الانغماس الحقيقي لإنجاز العمل وإتمامه، أما الربيع فهو فصل الخروج للحياة، فصل التجدد، والتحرر والفرح والظهور في حلة جديدة.
انفجرت في الربيع العربي الطاقات الشبابية التي سعت قبل زمن الانقلابات العسكرية للتغيير، ثم انطفأت، ويشهد الأدب على تلك الانتكاسة بحذافيرها، فيما غابت الحقائق في سجون معتمة.
لنقل أنها مجرد فرضيات، ولنعد لربيعنا، فمن حيث المناخ، فقد أصبح باهتا ومفاجئا، كاستمرار لما يحدث لمناخ الأرض، ما أفقد الفصل الجميل طقوسه التي تعلن عن قدومه، كنا نتحسسها من قبل في وشوشة العصافير، والنمو الساحر لوريقات الشجر مع كل صباح، كنا نشعر بقدومه فعلا وهو يزحف ببطء ليلمس سحره كل شيء من حولنا ، ثم فجأة أصبح يأتي بغتة ويغيب بغتة، كغريب يشعل الأرض ثم يطفئها وينسحب.
ربيع طفولتنا، الذي عشناه في الواقع، كما في الكتب المدرسية، لم يعد ربيعنا اليوم، أو لنقل ليس بالضبط ما نراه من حولنا، حيث الطيور المهاجرة لا تعود لأعشاشها، وحيث أزهار وبراعم أوطاننا تنتحر على الشواطئ، فيما تحاول بلوغ الضفاف الأخرى التي تليق بها الحياة.. ينتحر الربيع بمجرد بزوغ أولى مظاهره، فقد اتضح أن بيئتنا لا تليق به، إذ تخلو بيوتنا وشوارعنا وساحاتنا من بصماته، فكيف اعتقدنا للحظة أن ما حدث في بعض عواصمنا كان ربيعا عربيا؟ نعم حلمنا بذلك، ومن حقنا أن نحلم، لكن بدا جليا أن التوقيت لإطلاق هذا الربيع جاء إما مُبكرا جدا، أو متأخرا جدا، فثمة حلقة ضاعت في كل ما حدث. لقد عشنا هذه الحالة في زمن مضى، انفجرت فيه الطاقات الشبابية التي سعت قبل زمن الانقلابات العسكرية للتغيير، ثم انطفأت، ويشهد الأدب على تلك الانتكاسة بحذافيرها، فيما غابت الحقائق في سجون معتمة.
نعم، وحده الأدب وثّق للأحلام العظيمة التي سرقت من جيل بأكمله، ومن الأجيال التي تلته، وقد دفع كُتاب تلك المرحلة ثمنا غاليا بسبب ما كتبوه. واليوم حين أفكر مليا في أدب السبعينيات والثمانينيات، أرى أنه لم يكن انعكاسا لهزيمة 67 كما قرئ معظمه، والتي قد تكون سببا من أسباب سوداويته، لكنها ليست السبب الوحيد كما ادعى دائما ناقدوه ومنتقدوه، لقد كان الأدب دائما مرآة للأعماق الإنسانية، وهذا يعني أن أعماقنا لم تكن رائقة، كانت مثخنة بجراح قديمة، وغرغرينا نخرت عظامنا، حتى صعب علينا الوقوف بشموخ. ولو تسنى لنا اليوم أن نعيد قراءة أدب القرن العشرين منذ مطلعه إلى نهايته، لاتضحت لنا الرؤية، وتكونت لدينا صورة كاملة عن الإنسان العربي، وهو يحارب من أجل هواء نقي يتنفسه.
مضى الربيع مثل ومضة برق، مثل صاعقة قوية، مثل عاصفة لا مثيل لها، أخرجتنا جميعا في عراء الفضاء الأزرق، بدون عتاد أو أسلحة، وهذا أقصى ما حققناه في هذا الموسم، في انتظار الربيع المقبل.
يمكننا أن نكتشف ما هو أبعد من ذلك، إن تمكنا من تتبع آثار السلاسل التي كبلت أقدام السائرين عبر مئات السنين، وهم يقطعون المسافات بين المشرق والمغرب ذهابا وإيابا، إن ما يمكنه أن يذبحنا هنا، هو اندثار الربيع ذهابا وإيابا أيضا، في رحلة يُختَصر فيها فصلان هما الشتاء والصيف، شيء لا نفهمه جيدا، لكنه نابع منا، ويخذلنا في لحظة عجيبة، تفلت من كل محاولاتنا للتركيز. لقد قال محمد حسنين هيكل ذات يوم أن «الثورة ليست انفعالا عاطفيا، وليست تصفيقا يمزق الأكف، ولا هتافا يجرح الحناجر» وهذا وصف دقيق لمراحل عاشتها الشعوب العربية، غاب عنها فقط أن تنبثق من فكر نيرٍ لتنجح، وهذا ما زج بها في وصف لم يخرج عن إنشائيات الأطفال…
هل حل علينا الربيع العربي؟
نعم حل وغادر، سريعا كما هي العادة، إذ لا يمكن لبيئتنا أن تحتمل ربيعا يطول، نحن نكتفي بربيع خاطف، وصيف حارق طويل، وخريف بين بين، وشتاء كئيب، يناسب بشكل ما خيباتنا. وفي انتظار ربيع آخر، علينا أن نفكر في طريقة تبقيه لأطول فترة ممكنة، متفادين التعبير عنه بانفعال زائد، وعاطفة ممزقة من شدة اللطم والندب شوقا إليه، علينا على الأقل أن نهيء له أمكنة لأزهاره وشتائله، إذ لا يمكن للربيع أن يحمل هداياه لنا ونحن لا نملك مزهرية على الأقل لباقته، هناك تحضيرات فاتتنا، وتأثيث كامل لإبقائه في أحضاننا، أقلها أن نتقبل التغييرات الجذرية للتركيبة العربية اليوم، وهي ليست نفسها منذ ثماني سنوات مضت، فقد أفرزت خلال هذه الهزة العنيفة، ما لم يكن في الحسبان.
نعم مضى الربيع مثل ومضة برق، مثل صاعقة قوية، مثل عاصفة لا مثيل لها، أخرجتنا جميعا في عراء الفضاء الأزرق، بدون عتاد أو أسلحة، وهذا أقصى ما حققناه في هذا الموسم، في انتظار الربيع المقبل، لكن عسى أن تكون فكرة «بلوغ الأزمة هو ما يمنح ولادة ثانية» صحيحة، وتنطبق علينا بعد هذا المصاب، أقول عسى وكل أملي أن يأتي الربيع في أوانه، ويحدث فينا ذلك التأثير الدافئ الجميل، تماما كما في قصص الطفولة.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين