من أمستردام إلى شاتيلا طريق للحب والعطاء: «إفلين» هولندية فلسطينية الهوى والموقف
وهج 24 : إفلين فتاة هولندية في الثلاثين من عمرها، واحدة من بين مئات المتطوعين والمتطوعات الأجانب ممن يفدون لمجمعات الفلسطينيين في الوطن والشتات للتطوع والتضامن معهم ومع قضيتهم الوطنية رغم المصاعب والمخاطر والملاحقات.
لكن إفلين تختلف وتتميز عن زميلاتها بعمر نشاطاتها التطوعية (15 عاما) المساندة للفلسطينيين بعدما ارتبطت بقصة غرام معهم، تشاركهم همومهم ومأكولاتهم وتحب أغانيهم وتبوح بأفضلها. وخلال زياراتها لموطنها لا تتردد بالعوم بعكس التيار لتجنيد المزيد من التضامن رغم قوة نفوذ النشاط الصهيوني رغم كون هولندا دولة معروفة بصداقتها لإسرائيل.
كانت البداية عام 1999 عندما كانت صبية في بداية تفتح شبابها في العشرين من عمرها حينما غادرت بلدها هولندا وزارت لبنان في إجازة بحثا عن متعة جديدة بنصيحة طالب هولندي درس عن الدروز في الجامعة الأمريكية – بيروت. هناك تعرفت على صديقه الفلسطيني هشام من مخيم شاتيلا، وفي البداية تقول إنها ترددت في تلبية الدعوة لزيارة المخيم خوفا من المجهول، فقبل ذلك لم تعرف شيئا عن معنى اللجوء ولا عن القضية الفلسطينية.
وعن ذلك قالت لـ «القدس العربي»: لم تكن لدي فكرة عن الفلسطينيين وخلت في سري أن شاتيلا مخيم للفقراء المقيمين داخل خيم… ورفضت الذهاب لمشاهدة بؤسهم كسائحة ولكنني عدلت عن رأيي بعدما أقنعني هشام. فرافقت مجموعة طلاب إلى مخيم شاتيلا في بيروت فصادفت الزيارة في عيد الأضحى وكانت بداية صداقتي مع الشعب الفلسطيني وابتدأ مشوار الحب معه».
وحول مجمل زيارتها للبنان تقول بلهجة واثقة إنها كانت أفضل أيام عمرها: «صعدنا لجبال لبنان ولهونا وسط الثلوج وشاركت بالدبكة الفلسطينية الشعبية». قالت وهي تستعيد ذكرياتها في لبنان الذي سرعان ما استقر فيه لعدة سنوات، وتابعت «في أحد الأيام تنزهنا على شاطئ بحر بيروت في منطقة الروشة واستمعت لشروحات من شباب فلسطينيين عن قضيتهم الوطنية وفي لحظة معينة شعرت أن شيئا ما اشتعل في مخيلتي وقلت لنفسي: عليّ أن أشاركهم همومهم وكان ذلك شعورا داخليا لا أعرف كيف أفسره وهو يتعدى كونه شعورا إنسانيا عاديا وربما هو التضامن السياسي مع أصحاب قضية عادلة».
زيارة المخيم
إفلين الشابة القادمة من هولندا إلى لبنان ولدت لعائلة متضامنة كأغلبية الهولنديين مع إسرائيل، فشعرت أن شروح الفلسطينيين عن الصراع قد ساعدتها في التخلص من آثار النشاط الدعائي الصهيوني القوي في بلادها. وتعود لأيام صباها فتقول إنه حينما كانت في المرحلة الثانوية كانت تقول في سرها كلما شاهدت صور الصراع في فلسطين: على ماذا يتصارع هؤلاء الأغبياء ولماذا يتصارعون.. ولا يأخذ كل من الطرفين قطعة أرضه في الديار المقدسة فيعيشان سوية.. حتى فهمت الحقيقة. وتستذكر بلغتها الإنكليزية التي تتّبلها ببعض الكلمات العربية العامية العودة الثانية للبنان: بعد خمسة شهور في هولندا عدت لبيروت متطوعة في مركز شبابي في مخيم شاتيلا فعشت مع اللاجئين أشرب ما يشربون وآكل ما يأكلون وأقيم في منازلهم ما أتاح لي فرصة حقيقية للتعلم عنهم وعن قضيتهم مباشرة».
وبعد شهور من الإقامة في مخيم شاتيلا اختبرت صعوبة أن تكون فلسطينيا يوم حوصر المخيم عقب اندلاع الانتفاضة الثانية. وتقول «أذكر الدبابات اللبنانية والسورية تجثم على مداخل شاتيلا فيما يتم تفتيش الداخل والخارج واعتقال من لم تكن بحوزته وثيقة تدلل على هويته وكان التشديد ينم عن مخاوف نشوب انتفاضة أخرى في لبنان كما في فلسطين». ومكثت إفلين في شاتيلا عدة سنوات متطوعة في شتى المجالات الشبابية والطلابية حتى استقرت في منطقة بيت لحم قبل بضع سنوات: «جئت لفلسطين في زيارة برفقة مجموعة متطوعين أجانب فزرنا القدس، وأريحا وسخنين والخليل، وكان برفقتنا مغني الهيب هوب علي بيه من المغرب المقيم في هولندا فاستهوتني البلاد وأهلها وقررت الإقامة هنا مدة من الزمن وهذا ما حصل». تقول إفلين وتنوه أنها سرعان ما اكتشفت أن مشاكل الفلسطينيين تحت الاحتلال لا تقل مأسوية عن معاناتهم في مخيمات لبنان.
وتنبهت في مكان إقامتها في منطقة الخضر بجوار بيت لحم الى استفحال المشاكل الاجتماعية، فقررت هذه المرة أن تقدم خدمة تطوعية ولكن بأدوات أكثر مهنية. وتتابع»عدت لهولندا وبدأت أدرس الشؤون الاجتماعية في جامعة أمستردام فعدت مسرعة فور إنهاء دراستي مطلع 2009 وكانت تراودني أفكار بالعودة لفلسطين خلال التعليم لفرط حنيني للعمل التطوعي». وفعلا شرعت المتطوعة الهولندية بالعمل مع طواقم أخصائيين اجتماعيين ونفسيين عرب وأجانب في الضفة الغربية. ومع بدء الحرب على غزة عام 2008 كانت إفلين في زيارة لوطنها في هولندا فقررت العودة للبلاد رغم تحذيرات عائلتها ورغم كونها وحيدة أهلها. وعن ذلك تقول «لم اكترث بالتنبيهات وعدت للضفة الغربية لأكون أقرب ما يمكن للأحداث، وفي غزة ساهمت في تقديم علاجات لمن أصيبوا بالكرب بعد الصدمة».
بيت جدي
واليوم عادت إفلين للتنقل بين البلاد ولبنان وهولندا بعدما أسست جمعية «بيت جدي» لرعاية مشاريع شبابية ولتعميم الرواية التاريخية الفلسطينية على الهولنديين بأدوات مختلفة.
وتوضح أن الشعب الهولندي حتى اليوم يعلم القليل عن نكبة الشعب الفلسطيني وعن قضيته الوطنية «فهم يعرفون ما يتلقونه في التلفاز»، تقول وتتابع مشخّصة ما يصح في دول أجنبية أخرى: «بالنسبة للهولنديين ما زال الفلسطينيون مجرد أرقام لا وجوه لهم بل هم مجهولون يفتقرون للمعلومات عن عمق معاناة النساء والأطفال خاصة عندما يكون الرجل معتقلا… وفي الماضي ركز الفلسطينيون على خطاب الضحية دون أنسنة المأساة من خلال القصص التي تتناول الأسماء والوجوه والشروحات حول المعاناة الحياتية اليومية. هذا ضروري جدا لاختراق الجدران الدعائية التي بنتها الدعاية الإسرائيلية خاصة في هولندا. فالهولنديون بأغلبيتهم مسيحيون متأثرون بالتوراة والرواية اليهودية، بل هناك ما يعرف بـ»المسيحيين الصهاينة» ومهمتنا مواجهة الأفكار المسبقة هذه».
قصص الحواجز
وتستنتج إفلين الدروس من تجربتها مع عائلتها التي كانت تجهل القضية الفلسطينية، وكان من الصعب إقناع أفرادها بعدالتها نظرا لتأثرهم البالغ بالدعاية الصهيونية النافدة في هولندا. وعن ذلك تقول بلهجة لا تخلو من التباهي» بعدما سمعوا مني مرة تلو المرة عن الحواجز والطوابير الطويلة قبالتها كل صباح واضطرار بعض الفلسطينيات للولادة هناك بات الكثير من أبناء عائلتي الموسعة يشاركون اليوم بالمظاهرات المناصرة للفلسطينيين وفي جمع التبرعات لهم، ويشارك بعضهم في قطف الزيتون في قرى الضفة الغربية» .وتنوه أنها تنقل عبر رسائلها ومدونتها تقارير عن الأسرى ومعاناتهم استنادا لشهادات المحررين منهم الذين يروون عن التعذيب بتقييد الأيدي وسماع «الموسيقى» الصاخبة و»الحمامات» الباردة والساخنة خلال التحقيق وغيرها من وسائل التنكيل ودوس كرامة الإنسان بفظاظة.
وتعمل إفلين مع متطوعين أجانب آخرين على إيصال رسالة الفلسطينيين بواسطة الكتابة بالمدونات وتزويد وسائل الإعلام بالتقارير والصور، كما أسست جمعية «بيت جدي» لمؤازرة الفلسطينيين.
ولطالما استغلت وجودها في البلاد اليوم، كما في كل مرة، لتزود اللاجئين في لبنان بصور قراهم ومدنهم المهجرة بالتقاط صور فوتوغرافية… من حطين، ولوبية، وصفد، وبيسان وطبريا ودير القاسي وغيرها من بلدات الجليل. وتقول «في كل مرة كنت أزور لبنان يتحلق من حولي الكثيرون ممن ولدوا في الشتات لأنقل لهم الوطن ورائحته فيصغون بخشوع لانطباعاتي الجديدة ويتأملون بصور أوطان آبائهم بفرح ممهور بحزن».
كما تعمل على تجنيد شباب من هولندا للقيام بدراسات أكاديمية في الأراضي الفلسطينية لتتاح لهم فرصة التعرف على حقيقة الصراع عن كثب. وتعبر إفلين عن قناعتها بإمكانية التأثير على مجتمعات بأكملها،»فإذا غيرت أفكار أناس عاديين لا بد أن تجد الطريق للتأثير على صناع القرار خاصة في حال استغلال شبكات الاتصال والمنتديات الاجتماعية وتبادل الطلاب والبعثات الشبابية».
وتفيد أنه رغم ذلك فاللوبي الفلسطيني في هولندا ما زال ضعيفا لكنه يتمتع بمصداقية وينشط في عمليات تأليب ومرافعة خاصة في مجال مقاطعة البضائع الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات.
حينما تؤمن بعدالة قضية الفلسطينيين فإن برودة هولندا وحتى بحر الشمال لن يطفىء حبك لهم، وبسبب العشرة الطويلة والموقف المتضامن باتت إفلين مطلعة على الفنون والأغاني وتعتبر «أناديكم» أغنيتها المفضلة وهي مغرمة بـ»الدبكة الشمالية». وطيلة هذه السنوات اعتادت «حوا» كما يناديها أصدقاؤها العرب على تناول الطعام العربي على أنواعه لكن «المقلوبة» بنظرها أفضل المأكولات الفلسطينية ولم تتردد بالتوصية عليها حينما سئلت عن وجبة اليوم من قبل مضيفيها وأصدقائها الكثر في أراضي 48.
ورغم تماثلها مع الفلسطينيين وقضيتهم وربما بسببها لا تتردد في توجيه الانتقادات لبعض عاداتهم الاجتماعية خاصة بما يتعلق بالناحية الجندرية «الفلسطينيون يفرطون بالتحكم بنسائهم وربما فقدوا السيطرة على كل شيء خارج منازلهم بسبب انتهاكات الاحتلال فمن يفقد السيطرة على ذاته يمارسها على غيره». لكن الناحية السياسية والفتنة الداخلية أشد إيلاما بالنسبة لها فردت على سؤالنا: هل أنت مع حماس أو فتح؟ قالت جازمة: «أنا مع فلسطين».
وهل تشعرين أنك فلسطينية
لا… يا ريت ..أنا هولندية ولو كنت فلسطينية لكنت فخورة، فهذا شرف لي أن أنتمي لشعب مناضل يقدم هذه التضحيات رافضا الظلم ودوس الحقوق ويطمح من أجل الحرية. وتقول «خلال مشاركتي في المظاهرة الاحتجاجية على حرب غزة في سخنين كنت ألوح بالراية الفلسطينية ولم يتملكني شعور جميل في حياتي كهذا الشعور بالتماثل مع قضية عادلة لشعب مظلوم، ولم يساورني هذا الشعور حينما كنت أرفع الراية الهولندية. وترى إفلين بأن تسوية الصراع لا يتأتى بحل الدولتين إنما من خلال الدولة الديمقراطية الواحدة للجميع.
المصدر : القدس العربي