فادي السمردلي يكتب: القروض تخنق الاقتصاد والمواطن يدفع الثمن
بقلم فادي زواد السمردلي …..
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد موضوع القروض في الأردن قضية اقتصادية عابرة، بل تحوّل إلى ملف ثقيل يفرض نفسه على حياة المواطنين ومستقبل الدولة فمع كل عام جديد، ترتفع أرقام الدين العام، وتتزايد الالتزامات المالية، فيما يبقى السؤال الأكبر حاضرًا في أذهان الأردنيين إلى متى سيبقى الاقتصاد معتمدًا على الاقتراض؟ وهل يمكن لهذا النهج أن يستمر دون أن يقود إلى أزمات أعمق؟
يعاني الأردن من ظروف اقتصادية صعبة ومعقدة، تعود في جزء منها إلى عوامل خارجية كعدم الاستقرار الإقليمي، وتراجع الدعم الخارجي، وتأثر قطاعات حيوية كالسياحة والتجارة ولكن جزءًا آخر من الأزمة مرتبط بعوامل داخلية تتعلق ببنية الاقتصاد نفسه، مثل ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع معدلات البطالة، واعتماد الموازنة العامة بشكل كبير على الضرائب والقروض بدلًا من الاعتماد على قطاعات إنتاجية قوية ففي ظل هذا الواقع، أصبح الاقتراض الخيار الأسهل أمام الحكومات المتعاقبة لتغطية العجز وتمويل النفقات.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم القروض، بل في طريقة استخدامها فبدل أن تتحول هذه الأموال إلى مشاريع تنموية قادرة على تحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل، ذهبت نسبة كبيرة منها لتغطية نفقات جارية كرواتب الجهاز الحكومي وخدمة الدين نفسه وبذلك أصبح الأردن يقترض ليس ليبني مستقبلًا اقتصاديًا أقوى، بل ليستمر في تسيير يومه المالي فهذا النهج يجعل الاقتصاد يدور في حلقة مغلقة قروض جديدة لسداد قروض قديمة، دون أي تغيير جذري في الواقع الاقتصادي.
الأخطر من ذلك أن استمرار الاعتماد على القروض ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن فارتفاع الدين العام يدفع الحكومات إلى فرض مزيد من الضرائب والرسوم، ورفع أسعار الخدمات الأساسية، بحجة الحاجة إلى زيادة الإيرادات والنتيجة أن المواطن البسيط هو من يتحمل العبىء الأكبر، بينما لا يشعر بتحسن حقيقي في مستوى الخدمات أو في فرص العمل المتاحة وهنا تتحول القروض من أداة دعم للاقتصاد إلى عبىء يومي يضغط على المجتمع بأكمله.
إن السؤال “إلى متى؟” ليس سؤالًا عاطفيًا فقط، بل هو سؤال منطقي ومشروع فإلى متى يمكن للاقتصاد الأردني أن يتحمل هذا المستوى من المديونية؟ وإلى متى سيبقى الإصلاح الاقتصادي الحقيقي مؤجلًا؟ فالحلول لم تعد غامضة أو مجهولة والجميع يعرف أن الطريق يبدأ بإصلاحات جادة تشمل ترشيد الإنفاق الحكومي، ومحاربة الفساد، وتحسين إدارة المال العام، وإعادة النظر في السياسات الضريبية التي أثقلت كاهل الطبقة الوسطى والفقيرة.
الإصلاح الحقيقي يعني أيضًا دعم القطاعات الإنتاجية بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على الجباية فالزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة يمكن أن تشكل ركائز قوية لاقتصاد وطني مستقل نسبيًا عن القروض إذا ما أُعطيت الاهتمام الكافي كما أن تشجيع الاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة وإدارة شفافة تعيد الثقة للمستثمر المحلي قبل الأجنبي.
لا يمكن إنكار أن الأردن يمتلك إمكانات بشرية كبيرة، وشبابًا قادرًا على الإبداع والعمل، لكن هذه الطاقات تُهدر في ظل غياب السياسات الاقتصادية الواضحة وضعف الفرص ومع استمرار سياسة الاقتراض دون إصلاح، يصبح المستقبل أكثر ضبابية، وتصبح الأجيال القادمة مطالبة بدفع ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.
في النهاية، القروض ليست عيبًا بحد ذاتها، لكن الخطأ أن تتحول إلى أسلوب حياة اقتصادي دائم فما يحتاجه الأردن اليوم ليس المزيد من القروض، بل المزيد من الشجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية فإما أن يتحول الاقتراض إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس قوية، أو سيبقى يبتلع ما تبقى من قدرة الاقتصاد على الصمود والسؤال سيظل قائمًا إلى متى؟
الكاتب من الأردن