خبراء الرداءة
د. ماجد الخواجا ….
كلمة خبير تعني في اللغة الأدبية العالم البارع في الشيء والترجمة العصرية لها تتمثل في الشخص الدارس والمدرِّس لمجالٍ ما، والحاصل على الشهادات الأكاديمية العليا فيه، إنه من يجمع بين دراسة المجال نظرياً، والتطبيق العملي لها.
مع تشعب العلوم وكثرة التخصصات « علوم سياسية، علوم اجتماعية، علوم طبية، علوم تاريخية، علوم رياضية ورياضياتية، علوم الإتصال، الإعلام الرقمي ..». ومع التداخلات الموجودة بين الاختصاصات العلمية المختلفة. فقد أصبح هذا يأخذ من الإنسان سنوات كثيرة ليتمرس ويتمرن ويتعلم ثم يكتسب الخبرة اللازمة التي ترفق باسمه. تلك الكلمة المكونة من أربعة حروف والتي تسمح له بالخوض في مجال تخصصه وتحليله وتشخيصه لعلاجه، إلا أنه يبدو أن لدى مؤسسات إعلامية قاموس آخر يعطي الكلمة تعريفا مغايرا ومخالفا فلا تتوانى في توظيف الأمر لخدمة أجندتها بلا ضمير أو محاسبة.
وبغض النظر عن معيار الكفاءة لأولئك الأشخاص الذين تأتي بهم القنوات، وتلبسهم ثوب المجال الذي تريد هي توجيه الرأي العام فيه ثم لا يحتاج الأمر غير بدلة رسمية جميلة، مع ربطة عنق أنيقة، وميكروفون صوت ثم يُطلق لهم العنان بلا مقاطعة أو تضييق. والعجيب أن جلَّ هؤلاء الذين تتم استضافتهم، دائما ما تتفق أطروحاتهم وحلولهم مع الخلفيات السياسية أو الدينية التي تتبناها وسيلة الإعلام المستضيفة لهم، فلا تجد مختصا خبيراً يقول بعكس قول القناة التي يتحدث عبرها.
التكريس الإعلامي لفئة من المثقفين دون غيرهم لا يضرُّ فقط باحترافية العمل الإعلامي ويؤثر على نوعية المادة الإعلامية الخام ولا يكرّس لتوجيه الرأي العام بدل إثرائه فحسب، بل إن أثره الأكثر ضررا يكمن في الصورة السيئة التي تُعطى عن الأكاديميين والباحثين، وتضرب الموضوعية التي تعد ركناً مهما من الاختصاصية العلمية عرض الحائط، وتجرّد العلم والدراسات عن عنصر الحيادية التي إن هي غابت غاب العلم معها. الأكثر من هذا أنه يمارس سياسة الإقصاء ضد المعارضين، ويخلط معايير الكفاءة الأكاديمية عند العامة كما أنه يحرم المجتمع من مخارج ممكنة لمشكلاته وقضاياه فيحدُّ من قائمة الحلول ويحصرها من وجهة نظر إيديولوجية أحادية، ويخلُّ بتكافؤ الفرص بين المثقفين في الظهور وعرض أفكارهم وآرائهم، حتى أنه يضرُّ بمسار التنافس بينهم الذي يعتبر نقطة دافعة مهمة نحو تطور الجوانب العلمية الثقافية وحل المشاكل العملية في شتى الشؤون والميادين.
إن التأثير في الشباب الضائع، شباب من دون بوصلة فكرية، من دون أحلام إيجابية، فيتم الإستعانة بجحافل خبراء التنمية البشرية بممارسات تعمل على تكريس الجهل والإتكال والمكتوب، فكل طرف له مصلحة في الآخر.
بكثير من المكر الفكري والأخلاقي، تجري عمليات غسيل أدمغة الشباب الذي يعيش انكساراً اقتصادياً، واجتماعياً وروحياً، حيث الإحباط في كل مجالات الحياة. وأمام هذا الانهيار في قيمة الإنسان، يعيش حالة انتحار دائمة، ولكنها مؤجلة إلى حين. لذا تراه، يبحث عن الإمساك بأية قشَّة قد تنقذه من الطوفان، وهي الفرصة السانحة لجحافل الدجالين، ليمارسوا عليه صنوفاً من الضغوط من خلال فتح أفق من الكذب اللابس لبوساً علمياً تارةً، ودينياً تارة أخرى، وسياسياً أو سحرياً تارة ثالثة.
يقول أحدهم: في القرن الحالي الذي ينشر فيه الإعلام حماقات لا حصر لها، أصبح الرجل الواعي لا يُعرَف بما يعرفه، ولكن بما يتجاهله.
الكاتب من الأردن