العائلية والقبلية والطائفية والمحسوبية… أحد ركائز تفككنا من عام 1948 إلى 2026 في الانتصار على الاحتلال

بقلم: د. تيسير فتوح حجة. ….

 

الأمين العام لحركة عدالة
منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا، لم يكن الاحتلال وحده هو العامل الذي أعاق تقدم المشروع الوطني الفلسطيني وتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال، بل ساهمت عوامل داخلية خطيرة في إضعاف بنيتنا الوطنية وإرباك مسار نضالنا، وفي مقدمة هذه العوامل العائلية والقبلية والطائفية والمحسوبية التي تسللت إلى مفاصل حياتنا السياسية والاجتماعية والتنظيمية.
لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية في بداياتها على روح التضحية والعمل الفدائي والالتفاف حول هدف واحد هو تحرير الأرض والإنسان. لكن مع مرور الزمن، بدأنا نشهد تحوّلاً خطيراً في منظومة القيم الوطنية، حيث تراجع معيار الكفاءة والنضال لصالح الانتماء العائلي أو القبلي أو التنظيمي الضيق، وأصبحت المصالح الشخصية أحياناً تتقدم على المصلحة الوطنية العليا.
إن العائلية والقبلية لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية طبيعية كما هي في كثير من المجتمعات، بل تحولت في الحالة الفلسطينية إلى أداة نفوذ وتأثير في القرار السياسي والإداري، فتُمنح المواقع أحياناً على أساس القرابة لا الكفاءة، وتُدار المؤسسات بمنطق الولاء لا بمنطق المسؤولية الوطنية. وهذا ما أدى إلى إضعاف ثقة الناس بالمؤسسات، وإلى تعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي.
أما الطائفية، وإن كانت أقل ظهوراً في المجتمع الفلسطيني مقارنة بغيره من المجتمعات العربية، إلا أن استخدامها في بعض المراحل السياسية كان عاملاً إضافياً في تفتيت الوحدة الوطنية وإعادة إنتاج الانقسام بوجوه مختلفة.
وإذا أضفنا إلى ذلك المحسوبية التي أصبحت ثقافة متغلغلة في كثير من مفاصل العمل العام، فإننا ندرك حجم الضرر الذي لحق بمشروعنا الوطني. فالمحسوبية تقتل العدالة، وتغلق أبواب الفرص أمام الكفاءات الحقيقية، وتحوّل المؤسسات إلى أدوات لخدمة فئات محددة بدل أن تكون لخدمة الشعب كله.
إن الاحتلال الإسرائيلي يدرك جيداً نقاط ضعفنا الداخلية، ولذلك كان دائماً يستفيد من حالة التشتت والانقسام والصراعات الجانبية بين مكونات المجتمع الفلسطيني. فالأمم لا تُهزم فقط بقوة عدوها، بل أيضاً بضعفها الداخلي.
ومن هنا فإن حركة عدالة ترى أن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني يجب أن تبدأ أولاً بإصلاح البيت الداخلي، وإعادة الاعتبار لقيم العدالة والمواطنة والكفاءة، بعيداً عن العائلية والقبلية والمحسوبية. فالوطن لا يُبنى بالمجاملات، ولا يُحرر بالمصالح الضيقة، بل بالإرادة الوطنية الصادقة التي تضع فلسطين فوق كل اعتبار.
إن معركتنا مع الاحتلال ليست عسكرية أو سياسية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي وقيم وأخلاق وطنية. وإذا أردنا أن ننتصر في هذه المعركة، فعلينا أن ننتصر أولاً على أمراضنا الداخلية التي أضعفتنا لعقود طويلة.
ففلسطين أكبر من العائلة، وأكبر من القبيلة، وأكبر من التنظيم، وهي الوطن الذي يجب أن يجتمع تحته الجميع على قاعدة العدالة والوحدة والشراكة الوطنية الحقيقية.
فهل نمتلك الشجاعة لنواجه أنفسنا قبل أن نواجه عدونا؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد شكل مستقبلنا بين استمرار التراجع أو بداية طريق النهوض والانتصار.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا