فادي السمردلي يكتب: ثوار المنصات…لا يخجلون حتى حين يُستهدف الأردن
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
في زمن المنصات المفتوحة، ظهر نوع جديد من “الأبطال” أبطال لا يحملون عبئًا حقيقيًا، ولا يدفعون ثمنًا لما يقولونه، لكنهم يتقنون شيئًا واحدًا بإتقان مثير للدهشة الصراخ والجعجعة هؤلاء لا يتعبون من إطلاق الشعارات، ولا يترددون في توزيع الاتهامات، ولا يشعرون بأي حرج وهم يهاجمون كل شيء من خلف الشاشات والأغرب من ذلك أنهم في كثير من الأحيان لا يكتفون بمهاجمة خصومهم، بل يتجاوزون ذلك بسهولة ليفتحوا النار على وطنهم نفسه.
الوطن الذي عاشوا فيه، وتعلموا في مدارسه، وتكلموا من فضائه، يتحول فجأة في خطابهم إلى الهدف الأسهل فلا يترددون لحظة في التقليل منه أو السخرية منه أو تحميله كل أخطاء العالم والسبب في الغالب بسيط للغاية:لأن فكرتهم الخاصة المريضة، مهما كانت سطحية أو مرتبكة أو حتى ساذجة، أصبحت في نظرهم أهم من كل شيء فالفكرة عندهم تتحول إلى صنم، وكل ما لا ينحني أمام هذا الصنم يجب أن يُكسر، حتى لو كان وطنًا كاملًا.
هذه هي المفارقة التي نعيشها اليوم جيوش كاملة من “ثوار المنصات” الذين يخوضون معارك يومية بالكلمات، يعلنون الانتصارات في التعليقات، ويرفعون سقف الشعارات إلى السماء، بينما الواقع يقف في مكان آخر تمامًا… لا يهتز، ولا يتغير، ولا يكترث بكل ذلك الضجيج.
ثوار المنصات يعيشون داخل عالم مريح من الأوهام فكل منشور بالنسبة لهم معركة، وكل تعليق مواجهة، وكل وسم انتصار صغير فيكتب أحدهم جملة غاضبة، يضيف إليها قليلًا من اللغة النارية، فتتدفق الإعجابات والتصفيق الإلكتروني وفجأة يشعر أنه أدى واجبه التاريخي، وأنه شارك في الدفاع عن القضايا الكبرى.
الحقيقة أقل درامية بكثير لم يحدث شيء لا أرض تحررت، ولا واقع تغير، ولا ميزان قوة تحرك خطوة واحدة فكل ما حدث هو ضجيج إضافي في فضاء ممتلئ أصلًا بالضجيج.
أسهل شيء في هذا العالم هو الكلام فيمكنك أن تعلن الحرب وأنت مستلقٍ، وأن تهاجم الجميع وأنت تحمل هاتفك بيد واحدة. لا تحتاج إلى شجاعة، ولا إلى مسؤولية، ولا إلى استعداد لدفع أي ثمن ولهذا بالضبط يكثر الكلام، لأنه ببساطة أرخص شيء في السوق.
لكن المدهش في سلوك كثير من هؤلاء “الثوار” أنهم حين يرفعون صوتهم لا يجدون هدفًا أسهل من بلدهم نفسه فالبلد الذي أتاح لهم أن يتكلموا بحرية يصبح فجأة في خطابهم أصل كل المصائب وكل فشل في العالم يصبح مرتبطًا به وكل أزمة تاريخية تُلقى على كتفيه وكأن الكرة الأرضية كانت جنة كاملة حتى قرر هذا الوطن أن يفسدها.
النقد ليس المشكلة هنا فالمجتمعات الحية تحتاج إلى النقد، بل تحتاج أحيانًا إلى نقد قاسٍ وصريح ولكن هناك فرقًا واضحًا بين نقد يريد الإصلاح، ونقد يتحول إلى هواية يومية في جلد الوطن والفرق بين من يسأل كيف نصلح؟ ومن يسأل فقط كيف أبدو أكثر غضبًا أمام الجمهور؟
ولأن الجمهور في المنصات يحب الغضب، يتحول الأمر سريعًا إلى سوق للمزايدات فكل شخص يحاول أن يكون أكثر حدة من الآخر فالأمس كان نقدًا، اليوم أصبح سخرية، وغدًا يتحول إلى احتقار كامل لكل شيء الدولة، المؤسسات، المجتمع، وحتى فكرة الوطن نفسها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية حين يتحول الخطاب العام إلى ماكينة مستمرة للتشكيك والسخرية، يبدأ شيء ما في التآكل ببطء الثقة ،الثقة بالمؤسسات، والثقة بالمجتمع، والثقة بفكرة الوطن. وهذه أشياء حين تنهار لا تعود بسهولة لكن ثوار المنصات نادرًا ما يفكرون بهذه الطريقة فهم يعيشون لحظة التصفيق، لا نتائج الكلام فما يهم هو عدد الإعجابات، لا أثر الكلمات وما يهم هو الضجيج الآن، لا ما يتركه هذا الضجيج بعد سنوات.
الطريف أنهم يتخيلون أنفسهم في قلب المعركة فيتحدثون وكأن منشوراتهم تحرك الجيوش وتغير المعادلات بينما الحقيقة أن معظم هذا الضجيج يدور داخل دائرة مغلقة نفس الأشخاص يصرخون، ونفس الأشخاص يصفقون، ونفس المسرحية تتكرر كل يوم.
أما الواقع الحقيقي فلا يتغير بهذه الطريقة فالدول لا تنهض بالشعارات، ولا تسقط بالتغريدات فتحرير الأرض لا يحدث عبر التعليقات والتاريخ لم يُكتب يومًا بالمنشورات، بل بالأفعال الثقيلة التي تحتاج إلى صبر طويل وعمل شاق وتضحيات حقيقية.
لكن هذه الأشياء لا تبدو جذابة على الشاشة فالعمل الحقيقي بطيء، معقد، وغير قابل للاستعراض. أما الشعارات فلامعة وسريعة وتمنح صاحبها شعورًا فوريًا بالبطولة.
ولهذا تستمر الظاهرة جيوش من الأبطال الرقميين يخوضون حروبهم اليومية في التعليقات، يعلنون الانتصارات مساءً، ويستيقظون صباحًا ليكرروا المشهد نفسه.فضجيج كثير، شعارات أعلى، وغضب يتضاعف… بينما الواقع، بكل قسوته وتعقيده، يتحرك في مكان آخر تمامًا.
وهكذا تبقى النتيجة كما هي:
ثوار المنصات يملؤون الهواء بالكلمات…
والواقع يواصل هزيمتهم بصمت.
فعلا مقزز
الكاتب من الأردن