صواريخ بـ «الخطأ» أم مواجهة عسكرية مؤجلة؟
التفسيرات التي قدمتها إسرائيل ومصر حول الأحداث في غزة رفعت الحواجب بشكل كبير. ولكن حتى الآن لم تطرح بينة مقنعة لدحضها. حسب الوصف المقبول على الدولتين، إطلاق الصاروخين من القطاع على غوش دان تم بالخطأ. في الساعة التاسعة وسبع دقائق مساء الوقت الذي كان فيه كبار رجالات المخابرات المصرية يتباحثون مع رؤساء حماس في غزة أطلقت الصواريخ من نقطة إطلاق في شمال القطاع. ولكن كيف حدث ذلك؟ في إسرائيل ومصر يقولون إن نشطاء الذراع العسكري لحماس الذين عملوا في الصيانة بشكل روتيني في الموقع أطلقوا الصواريخ بالخطأ، أما الجيش الإسرائيلي وببساطة فاعتبر ذلك أمراً كاذباً.
بعد ذلك سقطت الصواريخ في مناطق مفتوحة في الوسط. خلافاً للتقارير السابقة لم يكن هناك اعتراض أو محاولة اعتراض من القبة الحديدية. التفسير جاء بعد خمسة أشهر بالضبط على حادثة غريبة أخرى، في ذروة التصعيد السابق عندما قيل إن صواريخ أطلقت في الليل عقب عاصفة رعدية. ومع ذلك تصر الاستخبارات الإسرائيلية على موقفها: هذا ما حدث في الحادثتين، أمر غريب مهما ظهر ذلك للسامع. على كل الأحوال من الواضح أن هذا التسلسل يخدم كل الأطراف ـ ويمكن وقف التصعيد بعد الرد الإسرائيلي.
هذا بالضبط ما حدث، إسرائيل استغلت الفرصة من أجل ضرب أكثر من مئة هدف لحماس اختيرت مسبقاً كأهداف للضرب. ولكن في وقت الإعداد للقصف الجوي تمكن نشطاء حماس من إخلاء كل مباني المنظمة والمواقع في القطاع. أربعة مواطنين أصيبوا، وحماس حرصت على عدم الرد. رجال الجهاد الإسلامي أطلقوا عدة قذائف على غلاف غزة وهكذا تم تلخيص الرد الفلسطيني. إضافة إلى ذلك، أوقفت حماس للمرة الأولى بعد سنة، مظاهرات يوم الجمعة من أجل التأكيد على ألا يحدث تدهور آخر.
إسرائيل ترد على حماس بأهداف اختيرت مسبقاً
فعلياً، في صباح يوم الجمعة انتهى الاحتفال. إسرائيل أوقفت التصعيد من جهتها لأنها فهمت أن الصواريخ أطلقت بالخطأ ولأنها لا تريد مواجهة عسكرية كبيرة في الوقت الحالي (من ناحية حكومة نتنياهو هي لا تريد ذلك مطلقاً). يبدو أن هذا أيضاً هو موقف حماس لأن قادتها لن يصادقوا مسبقاً على الإطلاق، حيث في الخلفية وضع داخلي صعب.
هناك تطور خطير آخر مؤخراً يتعلق بمظاهرات الاحتجاج ضد السلطات. هذا ليس أمراً تافهاً في نظام ديكتاتوري، أن يخرج مئات الأشخاص للتظاهر احتجاجاً على الوضع الاقتصادي. حماس قمعت المظاهرة بقبضة حديدية، وفي جزء من الحالات بإطلاق النار الحية. ولكن قيادة المنظمة تدرك الخطر الذي يهدد سيطرتها إذا ما اتسعت موجة المظاهرات.
الأزمة الاقتصادية الشديدة في القطاع هي العنصر المؤثر جداً على سلوك حماس الآن. حسب المؤشرات التي يفحصها الجيش الإسرائيلي، فإن الأزمة هناك تشتد رغم المساعدة القطرية. حماس في ضائقة مالية متزايدة لثلاثة أسباب: تقليص دعم السلطة الفلسطينية، والعقوبات الأمريكية التي تمس مرة أخرى بميزانية إيران (وبالتالي المساعدة العسكرية لحماس)؛ وحقيقة أن تركيا لا تتجند كي تحول لها الأموال. يمكن لحماس، بضغط كبير، أن تحرف النار تجاه إسرائيل ودهورة الوضع إلى مواجهة من أجل وقف الاحتجاج ضدها.
اهتمام نتنياهو الآن منصب على جهود مصر في التوصل إلى «تسوية صغيرة» تستقر فيها الأوضاع لشهرين حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وربما استكمال المفاوضات حول تشكيل حكومة جديدة. التعليمات السياسية التي أعطيت للجيش الإسرائيلي وجهته للعمل من أجل الحفاظ على الهدوء، في الوقت الذي تزيد فيه وتيرة الاستعداد لاحتمال أن تندلع حرب رغم ذلك.
ظل الوضع في غزة ـ الظروف الاقتصادية وتأثيرها المحتمل على تدهور عسكري ـ سيواصل التأثير على الحملة الانتخابية أيضاً في الأسابيع الثلاثة القريبة القادمة. رغم حسن النوايا الاقتصادية التي يعد بها المصريون والقطريون كل على انفراد لحماس ـ ليس هناك يقين بأن الأمور ستتم تسويتها أو أن إطلاق الصواريخ «بالخطأ»، كما يقولون، هي الحدث الأخير.
عاموس هرئيل
هآرتس 17/3/2019