أسئلة التجربة في علاقتها بأسئلة النص
رشيد المومني
بتواز مع الأهمية التي توليها القراءة لمجموع ما يطرحه النص من أسئلة جمالية أو فكرية، يحضر تلقائيا سؤال التجربة، باعتباره النواة الصلبة التي تتمحور حولها هوية النص. وبالنظر إلى متانة الروابط والقواسم المشتركة القائمة بين النص والتجربة، فإن هذه الأخيرة قابلة عمليا لأن تكون المرادف الموضوعي الأكثر تمثيلا لخصوصية النص، الذي يعتبر هو أيضا التجسيد المثالي والنموذجي للتجربة.
ذلك أن مقارباتنا مهما بدت لصيقة أساسا بجوهر النص، إلا أن التجربة التي أدت إلى إنتاجه، تظل العنصر الأكثر أهمية في صياغته، بالنظر لما تعنيه من تملك شامل ومتكامل، للاختيارات الجمالية والنظرية، واستقطاب للرهانات المصيرية المستأثرة باهتمام الذات الكاتبة، وأيضا باعتبارها الترجمة الفعلية لذلك الاختبار الحتمي الذي تخضع الذات لإرادته، الشيء الذي يجعل التجربة مثقلة بروح درامية، لها دورها الكبير في تخليق هوية الكائن، ما يدعونا للقول، بأن القراءة ستكون خلال ترحالها في فضاءات الكتابة، وفي مداراتها، معنية بالانتباه إلى ذلك الخيط الرهيف، الفاصل بين بنيتين مركزيتين من بنياتها، بفعل ما يتخللهما من تباين ناتج عن تعارض طبيعة التجربة المؤطرة لكل منهما، حيث تتمثل الأولى في استنادها المباشر إلى قوانين المعيش، بما يتخلله من حيثيات وملابسات، فيما تستند الثانية، إلى سلطة الأسس النظرية التي يميل النص إلى توظيفها، بهدف السيطرة على حركية المعيش، كخطوة تمهيدية، نحو إمكانية إدراجها ضمن بنيات نسقية مجردة من الزوائد والشوائب المؤثرة سلبا في إمكانية الرؤية، وفي فاعلية التعرف، مع احتمال أن يضيق هامش هذا الاختلاف الملاحظ بين التجربة النظرية والجمالية، والتجربة المعيشة، كي يتحول إلى مجرد مكون ثانوي، ضمن غيره من المكونات، بدون أن يثير بالضرورة فضول وتساؤل القراءة، كلما استطاع النص بفعل ما يمتلكه من مقومات جمالية وفكرية، أن يردم الهوة الفاصلة بين مرجعياته العالمه، وحركية المعيش. والحكم ذاته يمكن إسقاطه على كل قول مستند في بنائه على دينامية الحياة اليومية، في أفق ارتقائه بها من عفويتها وابتذالها، إلى مستوى أكثر تقدما، من خلال ضبطه لآليات اشتغال الواقع، وتأطيره للدلالات المستقاة من حركيته.
على أساس هذه الأرضية إذن، يمكن مقاربة التجربة، بما هي لحظة جوهرية، وحاسمة من لحظات المعيش، بصرف النظر عن الدلالة التي نسقطها على ماهيته، مادية كانت، أو مجردة.
مصدر هذا الإلغاء، يتمثل في قابلية التجربة ككل، على الانفتاح، وكذلك على الامتداد في صلب حركية الحياة، باعتبارها أداة فعلية لتحقيق تواصلنا، وتفعيل حضورنا على جميع الأصعدة التي تضعها الصدفة أو الضرورة الوجودية في مسالكنا المجتمعية والمعرفية.
لأن ما يهمنا من هذا الإسقاط، هو التعرف على مدى انصهاره، داخل أتون التجربة الاختبارية، التي يحدث أن تتورط فيها الذات على مستوى الموقف المجتمعي أو المعرفي. ذلك أن التوريط، بما يحيل عليه من قوة تسييجية وإلزامية للمعنيين به، يلغي مبدئيا الخيط الفاصل بين تجربة معايشة اللحظة، وتجربة استيعابها والوعي بها، من أجل إعادة صياغتها، وسبكها في قالب نصي.
علما بأن مصدر هذا الإلغاء، يتمثل في قابلية التجربة ككل، على الانفتاح، وكذلك على الامتداد في صلب حركية الحياة، باعتبارها أداة فعلية لتحقيق تواصلنا، وتفعيل حضورنا على جميع الأصعدة التي تضعها الصدفة أو الضرورة الوجودية في مسالكنا المجتمعية والمعرفية، فضلا عن تلك التي نحلم بالتواجد فيها بمحض إرادتنا.
وهي علاقة يمليها منطق الاستجابة المتعدد الأبعاد، انسجاما مع تنوع وتباين أنماط الاختبارات التي يحدث أن يجد الكائن نفسه هدفا أو موضوعا لها، حيث تتكامل الاختبارات المقترنة بمبدأ الضرورة والإكراه، بتلك الصادرة عن عامل الرغبة، بكل ما تتضمنه الكلمة من دلالات جسدية، غير منفصلة طبعا عن طبيعتها الفكرية والروحية. وإذا كانت هذه الأخيرة /الرغبة، مجالا لاختبار حدود المتعة والمؤانسة التي تتيح للكائن فرص تجريب حدود اللذة والانتشاء ببعديها الحسي أو الروحي، خاصة منها ما كان ذا مرجعية صوفية، فإن الأولى/الضرورة والإكراه/هي مجال المكابدات المريرة، المشحونة بعنف رهابها، خاصة حينما تكون صادرة عن بؤر الكراهية والعنصرية، وعن قوى الإبادة والاستئصال. ولعل حالات القلق، ومعها حالات اللاطمأنينة، التي تستقطب اهتمام الخطابات الفنية والفكرية والإبداعية، هي نتاج تلك التوترات الدائمة والمتتالية، التي يعيشها الكائن، أو بالأحرى يعاني منها، وهو تحت تأثير تجربة الاستجابة إلى اختباراته الذاتية أو موضوعية، موسومة بحد الإكراه كانت، أو فقط بحد الرغبة الشخصية المتحررة من قيد الضرورة.
والقول بعامل التأثير وتداعياته المفضية إلى حالة الاختلال الجسدي والسيكولوجي والفكري أيضا، يتنقل بنا تباعا، عبر التجارب البسيطة، التي لا يتجاوز تأثيرها حدود الارتباك، أو القلق العابر والمؤقت، كما تنتقل بنا عبر التجارب المتميزة بتطرفها العنيف، خاصة منها تلك المرتبطة بأزمنة الحروب والإبادات، أو المقترنة بمواقف ووقائع، وممارسات لاإنسانية، موسومة بطابعها التدميري والتنكيلي، التي يكره الكائن فيها على تحمل أقصى حالات الرعب، وعلى تشرب مراراته، كما لو أنه عالق بخيوط عنكبوتية، تؤرجح جسده وروحه بين حافات السقوط.
الإشكاليات التي يشتغل بها الفكر والإبداع، مستمدة أساسا من عمق تجربة التأمل في مختلف البنيات المجتمعية، التي تعتبر جد أساسية وجوهرية، في إنجاز أي عمل إبداعي أو فكري.
والملاحظ أن هذين الأفقين المتباينين من آفاق التجربة الإنسانية، ضمن ما يتميزان به من عمق ومن شدة، لا يكفان عن ممارسة دورهما المباشر في تحديد وجهات ومصائر الكائن، وفي تأطير ما يدبجه من نصوص. فما من نص فكري أو إبداعي جدير باسمه، إلا ويستمد دلالته من خصوصية التجربة الإنسانية الحاضرة فيه، ومن حدة المكابدات الروحية، أو الجسدية التي تؤججها هذه الخصوصية في دواخل الأفراد والجماعات، حيث تكشف سلطة الواقع عن قوة تأثيرها في بلورة ما نتمثله من إشكاليات فلسفية وإبداعية. علما بأن الواقع هنا، ليس مجرد مكان أو زمان معزول عن أنساقه المادية والموضوعية، بقدر ما هو فضاء نموذجي لمختلف التفاعلات المجتمعية والحضاري. كما أن هذه الإشكاليات، ومهما تضاعف جموحها التجريدي، فإنها تظل مطبوعة بالتفاعلات الاجتماعية والإنسانية الحاضرة فيها. بمعنى، أن الأصل في صياغة أي نظرية، وأي تصور سوسيولوجي، فلسفي أو إبداعي، يكمن في قوة التجربة المعيشة على المستوى الذهني، كما على المستوى التفاعلي الحاضر في التعاملات المادية والملموسة التي لا تخلو من سماتها التخييلية والترميزية.
فالإشكاليات التي يشتغل بها الفكر والإبداع، مستمدة أساسا من عمق تجربة التأمل في مختلف البنيات المجتمعية، التي تعتبر جد أساسية وجوهرية، في إنجاز أي عمل إبداعي أو فكري. بمعنى أنها تجربة قراءة الواقع، إلى جانب كونها تجربة القدرة على الإنصات إلى إيقاعاته، بوصفها ممارسة ذات طبيعية تركيبية، تستدعي حضور نسبة متقدمة من الإواليات المعرفية، التي تسمح باستيعاب الدلالات الخفية، والناظمة للمسلكيات وللقناعات الإنسانية، التي يتم على ضوئها وضع الأنساق المعتمدة في قراءته، وفي تحليله، وأيضا في تأويله للمعطيات المتعلقة بلحظة أو بمنعطف معين، من منعطفات الصيرورة المجتمعية والثقافية. هنا تكمن الأهمية القصوى للتجربة التي لا تحيل فقط على المعايشة البسيطة لحدث ما، بقدر ما تحيل على تفاعل جذري، تتظافر في إنجازه سلسلة متتالية من الحلقات الفكرية والسلوكية، التي تساهم فيها حركية الجسد بقسطها الكبير.
٭ شاعر وكاتب من المغرب