متلازمة الصاروخ المنفرد تضع حماس في فخ

 

بعد بضع ساعات على سقوط الصاروخ في مستوطنة مشميرت، نقلت حماس لمصر رسالة مستعجلة بأنها لم تطلق ذاك الصاروخ. ومثلما في المرة السابقة التي أطلقت فيها صواريخ على غوش دان، يدور الحديث عن خطأ. حماس أضافت أنها تجري تحقيقاً معمقاً من أجل العثور على المسؤولين عن الإطلاق. مصر ومعها إسرائيل لا تصدقان «الإطلاق بالخطأ». في المحادثات الشديدة بين رجال المخابرات المصرية وقيادة حماس، أوضح المصريون بأن الصاروخ سيعرض حياة سكان غزة للخطر، وكذلك التفاهمات التي توصلت إليها حماس مع مصر في الشهر الماضي.
في بداية الشهر، بعد أن عاد رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، من زيارة لعدة أسابيع في مصر، أظهر الكثير من التفاؤل والمدح للعلاقات الوثيقة مع مصر. «علاقتنا مع مصر لم تعد موضوعاً للمفاوضات، لقد انتقلت إلى مرحلة العمق الاستراتيجي»، أعلنت مصادر كبيرة في حماس. هذا العمق يستند ضمن أمور أخرى إلى مصلحة مصر في وقف كل نشاطات حماس وغزة ضد إسرائيل، التي يمكن أن تحرج التعاون العسكري والاستخباري الوثيق بين مصر وإسرائيل.
عملية عسكرية إسرائيلية ضد حماس، سيقتل فيها بالتأكيد كثيرون، يمكن أن تدفع مصر إلى زاوية ضيقة عليها فيها إظهار التضامن مع القطاع المهاجم. في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس المصري علناً عن تعاون مع إسرائيل. مكانة مصر كحليفة استراتيجية لإسرائيل غير موضوعة الآن على كفة الميزان. التعاون سيستمر على حاله. مشكلة السيسي ستكون مع خصومه في الداخل، والضغط الذي سيواجهه أثناء قمة الجامعة العربية في نهاية الشهر في تونس. السيسي الذي عارض هو والسعودية تصريح رؤساء البرلمانات الذي عقد هذا الشهر في الأردن والذي اتخذ فيه قرار ضد التطبيع مع إسرائيل، يسعى إلى الامتناع عن أوضاع محرجة يجب عليه فيها إدانة إسرائيل على ردها، الذي هو في نظره مشروع ضد إطلاق الصواريخ. من هنا تأتي الجهود الكبيرة لمصر في اليوم الأخير لتقليص حجم العملية العسكرية الإسرائيلية والطلب من حماس العمل فوراً ضد من أطلقوا الصاروخ. ولكن عملية واسعة وعلنية لحماس ضد التنظيمات، التي حسب ادعائها نفذت الإطلاق مثل الجهاد الإسلامي أو التنظيمات السلفية، يصعب تنفيذها في الوقت الذي تنزل فيه قيادة حماس وقادة الذراع العسكري عز الدين القسام تحت الأرض خوفاً من أن تقوم إسرائيل باغتيالهم. البحث عن متهمين هو أمر ثانوي الآن لأن أساس نشاط حماس توجهه لاحتواء هجوم إسرائيل.
حماس لا تتفهم موقف مصر، ولكنها تحتاج تعاونها من أجل ضمان استمرار تدفق الأموال القطرية إلى القطاع. هذه الأموال لن تصل عن طريق حماس، بل عن طريق منظمات ووزارات الحكومة التي ستنقلها للمحتاجين والعمال المؤقتين الذين جندوا مؤخراً بالآلاف من أجل نقل الرواتب لهم. وبذلك يتم تبييض أموال المساعدات. الخطوة القادمة مهمة ليس أقل من ذلك، وهي تشمل تشكيل «جبهة مقاومة موحدة» وغرفة عمليات مشتركة بين حماس والتنظيمات الأخرى، بما فيها فتح في القطاع. وذلك من أجل تنسيق النشاطات العسكرية وتشكيل مجلس مشترك يعمل على صياغة متفق عليها للموقف الفلسطيني أمام تهديد «صفقة القرن» للرئيس الأمريكي ترامب. هذه الحقيقة هي طموح بعيد المدى. وفي السابق تم تشكيل غرف عمليات مشتركة لم تصمد، لكن ربما أنه إزاء الظروف الجديدة يمكن لهذه الخطوة أن تنجح. حتى وإن لم تضم جميع الفصائل.
هذه الفكرة تحولت إلى موضوع يتم الحديث عنه في قيادة حماس بعد عودة هنية من مصر مع أربعة سجناء من حماس الذين أطلق سراحهم من السجن المصري بعد ثلاث سنوات ونصف. رجل حماس المقرب من المحادثات في القاهرة قال للصحيفة إن فكرة تشكيل «جبهة مقاومة موحدة» تم بحثها مع المصريين الذين يعتبرونها حل عملي لإحباط إطلاق النار العرضي على إسرائيل وإخضاع كل التنظيمات للتعاون تحت مظلة مصرية. ولكن مطلوب من أجل ذلك موافقة الرئيس محمود عباس، الذي فشل حتى في محاولة تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، بعد إعلان حماس بأنها لن تشارك في الحكومة الجديدة.
إن تشكيل منظمة عليا للعشرين تنظيماً في غزة سيضع حماس كصاحبة البيت المتفق عليه في القطاع، لكنه أيضاً سيلقي عليها كل المسؤولية لتلبية الشروط التي ستضعها مصر، بالأساس صد المواجهة مع إسرائيل. هذه الخطوة إذا تحققت يمكن أن تساعد حماس على تحمل مسؤولية عملية إعادة إعمار غزة والحصول على مساعدات شرعية. حسب مصر، ستكون هذه مرحلة مهمة قبل المصالحة الفلسطينية، التي تسعى إليها مصر، وقاعدة للتعاون بين حماس ومن سينتخب رئيساً فلسطينياً عند إجراء الانتخابات.
وإلى نسيج الخطوات السياسية هذا دخل الصاروخ الذي أطلق على مستوطنة مشميرت، الذي يمكنه أن يفجر الاحتمال لتشكيل نظام غزي مشترك ومتفق عليه يخدم المصالح المصرية والمصالح الإسرائيلية، بدون أن تضطر إسرائيل إلى إجراء مفاوضات سياسية مع غزة. إسرائيل الشريكة في الجهود المصرية لأن تتشكل في غزة قيادة ملتزمة بالمصالح المصرية، ستضطر الآن إلى التقرير كيف عليها أن توفق بين الحماسة السياسية الحساسة التي تطالب بـ «الرد بقوة» والعقاب على إطلاق الصاروخ وبين سياسة واقعية ترى أمام ناظريها اليوم الذي سيلي العملية العسكرية، وفيه لن يكون مناص من تجديد الجهود للتهدئة. وباعتبار حماس «مسؤولة حصرية» عن كل ما يحدث في غزة، حولتها إسرائيل نفسها إلى شريكة استراتيجية، لن تتنازل حقاً عن «المقاومة»، لكن دخلت إلى مرحلة التفاهمات السياسية بوساطة مصرية. هذه ربما هي الثمرة الأهم لعملية الجرف الصامد، التي يجب السماح بنضجها. حتى لو احتاجت درجة مؤلمة من ضبط النفس.

تسفي برئيل
هآرتس 26/3/2019

قد يعجبك ايضا