نتنياهو… ومؤشرات الحرب الرابعة على غزة!
كان في هجمات سلاح الجو على غزة أمس جديد مقارنة بالماضي. فلم تهاجم فقط اهدافاً تقليدية للذراع العسكري لحماس بل وكانت أيضاً محاولة لضرب مسؤول كبير في المنظمة، أي العودة إلى سياسة الإحباطات المركزة. وحسب تقارير من القطاع، فقد ضرب مكتب رئيس حماس إسماعيل هنية الذي لم يكن فيه بالطبع.
أما سبب الهجمات فهو الصاروخ الذي أصاب منزلاً في موشاف مشميرت في الشارون وتسبب بإصابة سبعة أشخاص. هذه الإصابة، مثلما هو رد الجيش الإسرائيلي، الذي يتضمن تجنيداً جزئياً للاحتياط، ونشراً لبطاريات القبة الحديدية، ونقل لوائي مدرعات ومشاة إلى غلاف غزة، وفتح الملاجئ والاستعدادات في بلدات الغلاف، يمكنها أن تكون إشارة البداية لحرب غزة الرابعة.
ولكنها ليست محتمة. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لن يعود من واشنطن إلى اليوم. وهو لا يزال غير معني بحرب شاملة مع غزة، وبالتأكيد قبل أسبوعين من الانتخابات. ولكن من شأن الحرب أن تنشب لأن للتصعيد منطقه الخاص، لا يكون للطرفين دوماً سيطرة عليه. وللدقة، فإنهما يخافان التحكم بالمسيرة، خوفاً من أن يبدوا ضعيفين.
الفرضية الأساس هي أن حماس، بل والجهاد الإسلامي، لا يريدان المواجهة. فحتى اليوم خاضا حرب استنزاف البالونات الحارقة، والطائرات الورقية المتفجرة، وإحراق الحقول، والمظاهرات على الجدار، وبين الحين والآخر إطلاق صواريخ وإلقاء عبوات ضد قوات الجيش الإسرائيلي.
ولكنهما يعرفان أن نتنياهو وإسرائيل لا يريدان مواجهة شاملة ويستغلان فترة الانتخابات للسير على الحافة ولخطوة صغيرة وتصعيدية أخرى.
في الأسبوعين الأخيرين أطلقت صواريخ بعيدة المدى ثلاث مرات ـ إلى بئر السبع، وغوش دان ومشميرت. وفي المرات الثلاث، كان تفسير/ التبرير الذي قدمته حماس والجيش الإسرائيلي أن عمليات الإطلاق تمت بالخطأ وأن الصواريخ التي نصبت في مواقع حماس أطلقت عقب عواصف برق ورعد شغلت أجهزة الإطلاق. حتى لو كان هذا صحيحاً، فإنهم في الجيش وفي القيادة السياسية يعرفون بأنها حجة من الصعب بيعها للجمهور.
وعليه، فكل شيء منوط في واقع الأمر بقيادة حماس. فإذا ردت هذه بقوة شديدة على هجوم سلاح الجو الذي بدأ أمس، بإطلاق عشرات الصواريخ على الغلاف وما وراءه حتى غوش دان وشمالاً، فستفتح دائرة سحرية بهجوم جوي، إطلاق صواريخ، وهلمجرا.
وبالتأكيد إذا وقع مصابون في الطرف الإسرائيلي، فلن يكون لنتنياهو مفر غير إصدار الأمر الذي لم يرغب حتى الآن في إصداره، بالدخول البري. هذه هي طبيعة التصعيد.
ما الذي حصل في الجرف الصامد؟ إسرائيل، التي عثرت ودمرت معظم الأنفاق التحت أرضية، نجحت في أن تسحب من أيدي حماس سلاحاً استراتيجياً. ولكن رغم الحصار المشترك الذي تفرضه إسرائيل ومصر على غزة، وإن كانتا تقلصان تهريب الصواريخ والوسائل القتالية الأخرى إلى غزة، فقد أثبتت حماس بأن قدرة صاروخية لا بأس بها لا تزال بين يديها.
بعض من الصواريخ هي للمدى البعيد، مثل ذاك الذي أصاب مشميرت. وهذه الصواريخ من إنتاج ذاتي، بمساعدة العلم من حزب الله ومن إيران. والتقدير هو أن لدى حماس والجهاد بضعة آلاف من الصواريخ لمدى حتى 40 كيلومتراً وبضع عشرات أخرى حتى 30 ـ 80 كيلومتر، وعدد مشابه لمدى 100 كيلومتر وأكثر. هذه صواريخ غير دقيقة وصيانتها متردية ولكن يمكنها أن تلحق ضرراً جسيماً، ولا سيما بالإصابة المباشرة.
مع كل التقدير للتكنولوجيا ولقدرة القبة الحديدية، محظور أن ننسى بأن لها نقطة ضعف. ليس لدى إسرائيل ما يكفي من البطاريات (حتى لو قسمت إلى وسائل إطلاق) لتغطية كل المجال من غزة وحتى الخضيرة (حتى هناك يمكن، إلى هذا الحد أو ذاك، أن تصل الصواريخ من غزة).
إضافة إلى ذلك، فإن مدى الاعتراض الأقصى للقبة الحديدية هو حتى 50 ـ 60 كيلومتراً ومن الصعب عليه أن يعترض قذائف الهاون للمدى القصير من 5 ـ 7 كيلومترات.
يمكن لهذا التصعيد أن يمنع لو كانت حكومة إسرائيل بلورت استراتيجية سياسية ـ أمنية شاملة، يجب أن يكون أساسها باستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية لتعزيز قوتها بين الجمهور الفلسطيني حيال حماس. ولكن نتنياهو غير معني بذلك. ففي لقاء لكتلة الليكود قبل نحو أسبوعين قال صراحة إن من يعارض إقامة دولة فلسطينية ملزم بأن يؤيد نهجه تجاه غزة.
وهكذا اتضح الأمر؛ رغم أنه لم يقل صراحة بأنه تراجع عن تأييده لفكرة الدولتين، فإن نتنياهو معني بشق الشعب الفلسطيني إلى كيانين، في الضفة وفي غزة، كي يصفي عملياً الدولة الفلسطينية الموحدة.
لغرض تحقيق هدفه، فإن نتنياهو مستعد لأن يمنع تحويل نصف مليار شيكل من الأموال التابعة للسلطة الفلسطينية وفي الوقت نفسه يدفع أموال الخاوة لمنظمة حماس ـ وكل هذا كي يحقق هدوءاً مؤقتاً.
ولكن حتى لو لم نتدهور إلى حرب شاملة، مثلما قد يكون ممكناً التقدير من بيان الجهاد الإسلامي، الذي يتوقع الوساطة المصرية، فإن المشاكل لن ترحل إلى أي مكان.
نتنياهو غير مستعد لأن يتخذ الخطوة الإضافية التي كان يمكنها أن تحقق اتفاق وقف نار أو تسوية بعيدة المدى مع حماس. كل ما عليه أن يفعله هو أن يتخذ قراراً شجاعاً يقول إنه مقابل موافقة حماس على مثل هذه الخطوة ستوافق إسرائيل على إعمار جذري وشامل لغزة كي يتحسن مستوى معيشة السكان ورفاههم.
ولكن الحكومة ترفض الموافقة على ذلك، طالما لم تتحقق صفقة تبادل للجثث والأسرى. ومثل هذه الصفقة ليست ممكنة إلا إذا استجابت إسرائيل جزئياً لمطالب حماس، وحررت مئات المخربين. أما نتنياهو، الذي سبق أن وافق على ذلك في أعقاب صفقة شاليط (حرر أكثر من ألف مخرب) لا يفكر حتى بتكرار الخطأ. وهكذا فإن كل شيء عالق.
يوسي ملمان
معاريف 26/3/2019