في علاقات الحب والضغينة بين الشعراء والقراء

حسام الدين محمد

 

1
في مهرجان أقيم في الفاكهاني (عام 1981 على ما أعتقد)، حين كانت تلك المنطقة «جمهورية» المقاومة الفلسطينية في بيروت الحرب الأهلية، ألقى الشاعر السوري شوقي بغدادي قصيدة قال في إحدى جملها: «ما أكثر العشاق وما أقل العشق»، وأظنه قال فيها أيضاً: «ما أكثر الشعراء وما أقل الشعر» (جملة ينسبها البعض أيضاً للشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي).
عاد بغدادي، الذي كان عـــــراب الشعراء الشباب والمسؤول عن اتجاه الكثيرين منهم للشعر، مؤخراً للتحســـر على حال الشعراء، مقترحا أن يموتوا مع بلادهم التي تحولت إلى «جمهورية خوف»، ومتألما على حال الشعر (في العالم) الذي صار كاسداً ولا يهتم به أحد، ناسباً القول إلى مدير دار نشر فرنسية قال إنها لا تطبع إلا أعمال الشعر الكلاسيكية، فهل يمكن القول إن العلاقة بين المتلقي الحديث والشعر قد تراجعت؟
ستجد، في المكتبات العربية، أقساما كبيرة لكتب التراث، التي يحضر فيها الشعر بالتأكيد، لكنه الشعر القديم لا الحديث، وحين تجد رفوف الأدب فقد تجد كتبا لبضعة شعراء مثل نزار قباني ومحمود درويش وربما بعض شعراء العامية المشهورين كأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي وطلال حيدر ومظفر النواب (الذي هو شاعر فصحى أيضا)، وإذا خرجت من المكتبات إلى الفضاء العام فستجد بالتأكيد حضوراً لشعر العامية في بلدان عربية كثيرة، كما هو الحال بشهرة بعض شعراء الزجل في لبنان وسوريا والعامية في العراق ومصر وأقطار أخرى، وبعض ناظمي الشعر «النبطي» في الخليج.
أما حين نتحدث عن الشعراء غير المشهورين، الذين لا نجد بالكاد حضوراً لهم في المكتبات العامة، وليس هناك طلب على كتاباتهم لدى الجمهور، فسنصل إلى حالة شعراء قد تصل الأمور بينهم والمتلقين أحيانا إلى ما يشبه الضغينة والكيد المتبادل. بعض هؤلاء الشعراء يكدون ويرهقون أنفسهم في إقفال وسائل التواصل مع الجمهور بطرق شتى، ثم ينكبون على إثبات «جهل» ذلك الجمهور بـ«الثقافة» العالية التي يمثلونها، وبالشعر الخطير الذي يكتبونه، وهي معادلة تجعلهم، بالمعنى الحرفي، خارج التداول: يذهب الشاعر لإلقاء قصائده فيتفاجأ (أو لا يتفاجأ) بوجود عدد صغير من المستمعين، أو يجد القاعة خلوا إلا من بعض أصدقائه الخلص وخلانه، وأحيانا يخذله أولئك الأصدقاء والخلان فيجد غرفة خاوية إلا من أقرباء له! يبرر بعض أولئك الشعراء ابتعاد المتلقي عنهم بانتقاد القصيدة التقليدية، البلاغية والخطابية والإنشائية، المحكومة بسلاسل الوزن وقيود القافية، ويقولون إنهم يبتعدون عن «القضايا الكبيرة»، التي ابتذلها كثيرون ادعوا النطق باسم الجماهير أو الشعب والوطن، ويقولون إن القصيدة الحديثة تجردت من عوائق الشكل، وابتكرت إيقاعاتها واستنبطت موسيقاها التي تعبر عن اهتزازات الروح الداخلية وهموم العصر الحديث.

عاد بغدادي، الذي كان عـــــراب الشعراء الشباب والمسؤول عن اتجاه الكثيرين منهم للشعر، مؤخراً للتحســـر على حال الشعراء، مقترحا أن يموتوا مع بلادهم التي تحولت إلى «جمهورية خوف».

أما الجمهور فلا يبدو مهتما حقا بكل هذه التحليلات والتأويلات. ما يهم الناس حقا هو أن يؤثر الشعر في مشاعرهم فيتداولونه ويدخل موروثهم المعرفي والعاطفي، فيحفظونه ويرددونه، أو يتذكرونه ويتفاعلون معه ويذهبون لسماعه من الشعراء الذين يحبونهم، أو… يتجاهلونه بكل بساطة. ورغم أن عدد الشعراء لم يقل، وأن حماسهم لشعرهم لم ينقص، لكن تجاهل القراء لأغلبهم، وتهرب الناشرين منهم، وانقفال أبواب الشهرة دونهم، أفضى إلى معادلة مؤلمة لها بابان: باب تجاهل الشعراء من ناحية الجمهور، وباب المرارة أو الاستعلاء النخبوي من ناحية الشعراء. لقد تحولت العلاقة الشائكة بين الطرفين إلى تكاره وضغينة متبادلين وسخرية لاذعة من «جهل» الجمهور أو من «فذلكة» الشعراء. وكما لو كان الأمر رد فعل قهري، فقد زاد إغراق بعض الشعراء في الشكلانية والألعاب اللغوية والتعقيد المتقصد، حتى تحولت بعض القصائد إلى متاهات وسراديب ليس لها مخارج، وتبرير بعضهم أن الجهل تفشى بين العامة، وأنهم يكتبون هذا الشعر للمستقبل، وأن ليس على الشاعر أن يهتم بالقارئ وأن يتركز همه على إنجاز نص إبداعي فريد حتى لو لم يستثر اهتمام أحد الآن.
في المقابل زاد جمهور الرافضين والمستنكرين لهذا الشعر وتجاوز القراء العاديين، فانضم إليهم بعض النقاد وكثير من الناشرين الذين يرفضون طبع هذا الشعر، أو يطلب بعضهم من الشعراء تمويل نشر كتبهم، أو يقوم البعض الآخر بإنشاء دور نشر خاصة بهذه الكتب، كي لا تحسب على اسم الدار الرئيسية. الأسوأ من ذلك أن باب الضغينة انفتح بين الأدباء أنفسهم، بحيث تسمع عن روائيين يسخرون من الشعراء، بل وصل الأمر إلى سخرية الشعراء من بعضهم بعضا وتجريح الواحد منهم للآخر بدون رحمة. أدى هذا الطلاق السيئ إلى انحسار ذائقة الجمهور، واقتصادها على دائرة تضم الشعر العربي القديم وهي، حين تتسع، تضم شعراء مثل أحمد شوقي والجواهري وسعيد عقل وبدوي الجبل وإيليا أبو ماضي والأخطل الصغير وعبد الله البردوني وأبو القاسم الشابي الخ…

الشعر لا يمكـــــن أن يموت لأنه مرتبط بالمشاعر الإنسانيّة وهي لا تموت، كما أنه مرتبط باللحظات السحريّة في الحياة، وبالدين والأساطير والغناء، وبتجميل الواقع البائس ومحاولة تفسيره.

2
تتحدى المحبة الكبيرة التي يكنها الجمهور العربي لبعض الشعراء أمثال نزار قباني ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ومظفر النواب ومحمد الماغوط (وآخرين قلائل) هذه الحالة المذكورة آنفاً، فرغم كونهم من رموز التجديد والحداثة في الشعر، فقد حصلوا على إعجاب جمهور عريض كان يحول أمسياتهم الشعرية إلى احتفالات عامة، كما أنه حولهم إلى أيقونات شعرية ورمزية كبيرة، بحيث صار الواحد منهم أحيانا معادلاً رمزيا لقضايا عربية أو إنسانية كبرى تفيض كثيراً عن الجغرافيا التي وُلد فيها. لقد كان لهؤلاء جميعا مشاغل لغوية، وشغف بتحديث النص، وانتقاد للتقاليد القديمة في القصيدة، وقام كثيرون منهم بكتابة قصيدة «الشعر الحر» و«قصيدة النثر» (الماغوط لم يكتب غيرها)، وهم لم يكتبوا عن «القضايا الكبيرة» فحسب، بل اهتموا بالتعبير عن القلق الفردي، وابتعدوا عن الخطابة والإنشاء وأشكال البلاغة المبهرجة، كما أنهم جرّبوا وقلبوا تربة الشعر الراكدة، وكانت بعض قصائدهم معقدة وشكلانية ولا تخلو من حذلقات أو ألعاب أو نرجسية وتعال، فما الذي جعلهم يظفرون بحب الناس في ما فاز أقرانهم أولئك بتجاهلهم، وأحيانا بكرههم؟

3
رغم الدلائل «الموضوعية» التي يقدمها كثيرون، بمن فيهم شعراء ونقاد وناشرون، على «تراجع» الشعر (بمعنى إقبال الناس على الشعر)، فإن اهتمام الناس الذي لم يتوقف بقراءة أو سماع أو حفظ الشعر يناقض هذه «الدلائل» ويقلب الطاولة على القائلين بها ويدفعنا مجددا للقول إن المشكلة ليست في الشعر نفسه، بل في الشعراء. الدليل على ذلك بسيط جداً وهو يتمثل في الشعراء الجدد الذين يكتبون لـ«التواصل» مع الناس، والذين أدركوا «منطق» العصر الجديد، ولذلك فهم يتواصلون مع الجمهور بشكل مباشر وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل روبي كور، وأماندا لوفليس، وروبرت دريك، ونيرة وحيد، وتايلر نوت، وهم كما يقول أحد النقاد: «يعيدون تعريف هذا النوع الأدبي ليعكس الألفية الثالثة» متجنبين اللغة المعقدة ومركزين على المشاعر الكونية التي يمكن للجميع استقبالها، وهو ما جعلهم نجوماً يتابعهم ملايين المعجبين والقراء.
الشعر لا يمكـــــن أن يموت لأنه مرتبط بالمشاعر الإنسانيّة وهي لا تموت، كما أنه مرتبط باللحظات السحريّة في الحياة، وبالدين والأساطير والغناء، وبتجميل الواقع البائس ومحاولة تفسيره، ولكنه، مثل البشر أنفسهم، الذين لا ينفكون يطوّرون أنفسهم ليتلاءموا مع الوقائع المستجدة، وهذا القانون ينطبق على كل شيء، وخصوصاً الشعر.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

قد يعجبك ايضا