إذا ما فاز… ما المفاصل التي يرتكز عليها نتنياهو لتشكيل ائتلافه؟

 

أحداث الأسابيع الأخيرة في الساحة السياسية ـ الأمنية تعكس مقاربة حكومة نتنياهو في السنوات الأخيرة، وتبدو مواقفها في السنة القادمة، إذا نجح بنيامين نتنياهو في الفوز في الانتخابات وفي تشكيل الحكومة القادمة. في الانحياز الأخير قبل الانتخابات، استند نتنياهو إلى علاقاته القريبة مع زعماء الدول العظمى وأظهر ضبط النفس إلى درجة التساهل في المواجهة مع حماس في القطاع، وفي المقابل اتبع خطاً هجومياً على الأقل على مستوى التصريحات تجاه السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
في ساحة الدول العظمى حظي نتنياهو مؤخراً بعدد من بادرة حسن النية والهدايا الاستثنائية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبادرة حسن نية (التي لم يتم توضيح ثمنها) من الرئيس الروسي فلادمير بوتين. ترامب استكمل سلسلة خطواته التي أخذت مباشرة من رف رسائل الليكود، عندما أضاف الاعتراف بسيادة إسرائيل في هضبة الجولان إلى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. أمس أضاف ترامب إلى ذلك قرار إدخال حرس الثورة الإيراني في قائمة التنظيمات الإرهابية. الاعتبار في المقام الأول أمريكي، لكنه يخدم مصلحة إسرائيل، ونتنياهو يمكنه الادعاء وبحق أن لمواقفه تأثيراً كبيراً على سياسة ترامب.
بوتين قدم لنتنياهو لفتة كريمة على شكل العملية الروسية ـ الإسرائيلية من أجل العثور على جثة الجندي زخاريا باومل وإخراجها من سوريا. مطلوب قدر من السذاجة من أجل التصديق بأن الأمر يتعلق ببادرة حسن نية من روسيا. أو أن رئيس دولة عشرات آلاف من جنوده دفنوا كمجهولين في المعارك منذ الحرب العالمية الثانية وحتى أفغانستان، انفعل حقاً من ضائقة عائلة جندي إسرائيلي.
يمكن الافتراض أن بوتين سيعرف كيفية استغلال هذه اللفتة المؤثرة لأغراضه في المستقبل، وأنه لم يكن أعمى بخصوص توقيت إعادة الجثة، في الأسبوع الذي سبق الانتخابات، حتى لو كان العثور الناجح حدث بالصدفة (بعد عدة إخفاقات سابقة) قبل وقت قصير من ذلك. الصورة الاستثنائية التي تم فيها إعادة الزي العسكري والحذاء لباومل إلى البلاد بعد لقاء نتنياهو ـ بوتين في موسكو، تدل على أن هذه كانت لفتة روسية مدروسة مقدمة لنتنياهو. في قطاع غزة واصل نتنياهو اتخاذ خط من ضبط النفس تجاه حماس. رئيس الحكومة والمتحدثون بلسانه يواصلون الحديث عن واقع أمني متفائل في سنوات ولايته، من خلال التقليل وحتى تجاهل أهمية المضايقات اليومية التي يعاني منها سكان غلاف غزة في السنة الأخيرة. استعداد إسرائيل لاتخاذ سلسلة من التسهيلات في القطاع بالضبط بعد مرتين من إطلاق الصواريخ على منطقة الشارون ومنطقة دان وعدد من جولات الإطلاق على الجنوب، تدل على أن نتنياهو اتخذ قراراً عن وعي باتباع ضبط النفس في غزة والوصول إلى الانتخابات بدون تصعيد كبير في الجنوب. الاستعداد العسكري المتزايد حول القطاع، الذي تم تخفيفه في نهاية الأسبوع الماضي، لم يستهدف القيام بعملية برية حقيقية، بل كتهديد لحماس بهدف حثها على التوصل إلى تفاهمات مع الوسطاء من المخابرات المصرية.
بطريقة معبرة، إسرائيل لا تنشر أي شيء عن التفاهمات التي تم التوصل إليها. رؤساء حماس أكثر صراحة: نتنياهو وافق على توسيع منطقة الصيد في القطاع وتسهيلات حركة في المعابر وتوسيع التصدير من غزة وتقليص بـ 30 في المئة من المواد ثنائية الاستخدام التي تمنع إسرائيل دخولها إلى القطاع خشية أن تساعد في النشاطات العسكرية. قطر، بموافقة إسرائيل، ستضاعف مساعدتها المالية للقطاع إلى 30 مليون دولار شهرياً لمدة سنة. وخلافاً للأموال التي اعتادت السلطة الفلسطينية تحويلها فإن هذه الأموال تحول إلى موظفي حماس وليس لموظفي السلطة في غزة.
الخطوة المكملة تمت في السجون. في مباحثات جرت في الأسبوع الماضي وجه نتنياهو رؤساء جهاز الأمن للعمل بصورة متسرعة من أجل منع إضراب جماعي عن الطعام لسجناء حماس الذي بدأ أمس بصورة جزئية ويمكن أن يتسع خلال الأسبوع. معروف أن إسرائيل عرضت مؤخراً على رؤساء حماس في السجون اقتراحات بعيدة المدى منها توسيع الزيارات العائلة للسجناء من غزة ووضع هواتف عامة (يمكن الافتراض أنها ستكون مراقبة) في الساحات.
النضال الأساسي الذي يديره السجناء يتعلق بأجهزة تشويش المكالمات الخلوية التي تم تركيبها في السجون. وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان نفى أن أجهزة التشويش ستتم إزالتها. مع ذلك يبدو أن حماس تسعى إلى وقف تشغيلها (بدون إزالتها نهائياً)، على الأقل في هذه الأثناء لا يوجد تأكيد على أن إسرائيل ترفض ذلك. النتيجة هي أنه في غزة وفي السجون أيضاً، نتنياهو مستعد للمرونة خلافاً لسياسته الصقورية المعلنة من أجل عدم التورط في مواجهة مع حماس.
في الضفة الغربية، في المقابل، مقاربة نتنياهو مختلفة تماماً. خلال حملته الانتخابية، وفي الواقع خلال ولايته الأخيرة، فإن رئيس الحكومة يتجاهل بصورة كاسحة إمكانية استئناف العملية السياسية مع السلطة.
رغم ذلك، التنسيق الأمني بين الطرفين يواصل العمل بصورة تحافظ على مصلحة إسرائيل على الأرض. في السنة الأخيرة مع إدارة ترامب، عملت إسرائيل على زيادة الضغط الاقتصادي على السلطة من خلال وقف المساعدة الأمريكية للأونروا وخصم أموال الضرائب كعقاب على دعمها للسجناء الأمنيين.
في ماراثون المقابلات الذي أجراه قبل الانتخابات، أضاف نتنياهو تأييداً علنياً لإمكانية ضم المستوطنات في الضفة الغربية. وعود أخرى له غمزت للمستوطنين في حملات انتخابية سابقة، بشكل عام لم يتم تنفيذها. هذه المرة أيضاً يبدو أن الأقوال موجهة بالأساس كجزء من جهوده لأخذ أصوات من الأحزاب التي على يمين الليكود. مع ذلك، لا يمكن تجاهل المعنى الرمزي لتصريحاته ومن القلق الذي أثارته في الدول الغربية.
هذا يضاف إلى السؤال الرئيسي الذي سيأتي بعد الانتخابات: ما هو نوع الائتلاف الذي سيشكله نتنياهو إذا فاز في الانتخابات؟ عنصر مهم في الاعتبارات المرتبطة بخطة السلام لإدارة ترامب، صفقة القرن التي يخطط الرئيس للإعلان عنها بعد تأجيلات لانهائية بعد بضعة أسابيع. إذا كانت مقاربة نتنياهو للاقتراح ستكون «نعم، ولكن» فمن شأنه أن يسعى إلى تشكيل حكومة وحدة مع أزرق أبيض، رغم تصريحات رؤسائه القاطعة بأنهم لن يجلسوا في ائتلاف مع رئيس حكومة ينتظره تقديم للمحاكمة على ثلاث لوائح اتهام.
الاحتمال الثاني هو أن حكومة يمينية ضيقة نسبياً ستقف أمام الامتحان الأول بعد فترة قصيرة على تشكيلها لأن عدداً من الأحزاب الأعضاء فيها سيعارضون بشدة إعطاء أي إشارة إيجابية لترامب. مع ذلك يمكن التقدير بأن الاعتبار الحاسم بالنسبة لنتنياهو لن يكون مبدئياً ـ أيديولوجياً، بل اعتبار البقاء على قيد الحياة: ائتلاف سيمكنه من محاولة إجازة قانون يعيق الإجراءات القضائية ضده.

عاموس هرئيل
هآرتس 9/4/2019

قد يعجبك ايضا