إزالة الطبقات والفوارق الاجتماعية وتوزيع عادل للثروات ونظام اشتراكي مستوحى من الأديان يلغي طبقة الفقراء

بقلم د. تيسير فتوح حجه  ….

 

الأمين العام لحركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية
لم تعد الفوارق الطبقية في عالمنا المعاصر مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحولت إلى تهديد أخلاقي وإنساني يضرب استقرار المجتمعات وكرامة الإنسان في الصميم. فحين تتكدس الثروات في أيدي قلة، بينما تعيش الأغلبية تحت ضغط الحاجة والحرمان، فإن الخلل لا يكون مالياً فقط، بل يكون خللاً في القيم وفي بنية النظام الاجتماعي والسياسي معاً.
إن فكرة إزالة الفوارق الاجتماعية ليست شعاراً مثالياً أو حلماً طوباوياً، بل هي ضرورة لبقاء المجتمعات متماسكة وقادرة على النهوض. فوجود طبقة مسحوقة محرومة من أبسط الحقوق في العمل اللائق والتعليم والصحة والسكن، يعني وجود بيئة دائمة للغضب والانفجار وفقدان الانتماء. العدالة الاجتماعية ليست ترفاً فكرياً، بل صمام أمان وشرط أساسي للاستقرار.
النظام الاشتراكي الذي ندعو إليه ليس استنساخاً أعمى لتجارب تاريخية، بل هو نموذج إنساني مستوحى من جوهر القيم الدينية التي أكدت جميعها على التكافل، وتحريم الاحتكار، ورفض الظلم، واعتبار المال أمانة لا أداة تسلط. ففي الأديان، لا يُترك الفقير لمصيره، بل يُمنح حقاً معلوماً في مال المجتمع، وتُحمَّل الدولة والمجتمع مسؤولية صون كرامته. هذه الروح هي الأساس الأخلاقي لأي نظام اقتصادي عادل.
إن التوزيع العادل للثروات لا يعني مصادرة جهد المجتهد، بل يعني منع تحوّل الثروة إلى وسيلة سيطرة وإفقار للآخرين. المطلوب هو اقتصاد يوازن بين المبادرة الفردية والعدالة الجماعية، يضمن حدّاً أدنى كريماً للحياة لكل مواطن، ويمنع التفاوت الفاحش الذي يحوّل المجتمع إلى جزر منفصلة: جزيرة مترفة وأخرى غارقة في الحرمان.
من هنا، فإن إلغاء طبقة الفقراء لا يتم بالشعارات، بل عبر سياسات واضحة: نظام ضريبي عادل تصاعدي، حماية حقيقية للعمال، ضمان صحي شامل، تعليم نوعي مجاني، ودعم للقطاعات الإنتاجية لا الريعية. كما يتطلب محاربة الفساد الذي يسرق حقوق الفقراء قبل أن تصل إليهم، ويحوّل المال العام إلى امتيازات خاصة.
إن حركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية ترى أن معركتنا من أجل التحرر الوطني لا تنفصل عن معركة العدالة الاجتماعية. فلا قيمة لوطن محرر يسكنه الجوع، ولا معنى لسيادة بلا كرامة اجتماعية. فلسطين التي نحلم بها ليست فقط بلا احتلال، بل أيضاً بلا فقر مدقع، بلا تهميش، وبلا إنسان مسحوق.
إن بناء نظام اقتصادي عادل مستوحى من القيم الدينية والإنسانية، يضع الإنسان قبل الربح، والكرامة قبل التراكم، هو الطريق نحو مجتمع متماسك، مقاوم، وقادر على حماية حريته. فحين يشعر المواطن أن وطنه عادل معه، يصبح الدفاع عنه واجباً أخلاقياً قبل أن يكون واجباً وطنياً.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا