﴿وَنَجْعَلُهُمُ الْوَارِثِينَ
عدنان عبدالله الجنيد ….
من الصرخة إلى المعادلة: كيف صار شعارُ أنصارِ اللهِ رُعبَ الاستكبارِ العالمي؟
مقدمة: الوعدُ حينَ يتحوّلُ واقعًا
قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
ليست الآيةُ وعدًا مؤجَّلًا ولا تسليةً للمقهورين، بل سُنّةُ تمكين تبدأ من الوعي، وتُترجَم موقفًا، ثم تُثمر معادلةً تُربِكُ الطغاة.
من هذا الأفق خرجت الصرخة في وجه المستكبرين؛ لم تكن هتافًا عاطفيًا، بل إعلانَ اصطفافٍ حضاري، وتحديدَ عدوٍّ، وبناءَ هويةٍ صداميةٍ واعية.
وبعد أربعةٍ وعشرين عامًا، ها هو العالم يشهد: الخصمُ نفسُه يردّد الشعار—لا اقتناعًا، بل فزعًا—وفي أقدس مسارح الهيمنة: مجلس الأمن.
الشعارُ الذي أرهقَ الإمبراطوريات:
من الهتاف إلى الاعتراف القسري
حين يرفع مندوبُ الاحتلال شعارَ خصمه في مجلس الأمن، فذلك ليس استعراضًا لغويًا، بل إقرارٌ استراتيجي بأن الشعار خرج من دائرة التعبئة إلى حيّز التأثير العالمي.
لقد انقلبت الطاولة: اعتاد العالم أن يرى العرب يتقدّمون بالشكوى طلبًا للحماية، فإذا بـ«إسرائيل» نفسها تتقدّم طالبةَ النجدة من اليمن، محذِّرةً من أن الشعار—إن تُرك—سيتحوّل إلى عدوى وعي عابرةٍ للحدود.
هذا التحوّل يثبت ثلاث حقائق كبرى:
سياسيًا: الشعار كسر احتكار السردية؛ لم يعد الاحتلال قادرًا على تسويق نفسه ضحيةً بلا مساءلة.
عسكريًا: الاعتراف بالشعار هو اعترافٌ بوجود إرادة قتالية تُترجم القول إلى فعل، وتوسّع مسرح الضغط من البرّ إلى البحر والجو.
نفسيًا–رمزيًا: حين يَعرض الخصمُ شعارَك ليحذّر منه، فهو يَشهَد لك بأنك أصبحت رقمًا صعبًا.
وفي يناير 2002 قال الشهيد القائد:
«ارفعوا هذا الشعار وستجدون من يرفعه غيركم… في أماكن كثيرة من هذا العالم.»
وفي يناير 2026، يتحقق القول: المكان هو مجلس الأمن، والرافِعُ هو الخصم.
ولم يقف أثر الشعار عند حدود الاعتراف الدبلوماسي، بل صعد ليبلغ قمة الهرم السياسي والعسكري للمنظومة الاستكبارية نفسها:
حين يرتجف رأس الهرم: من ترامب إلى نتنياهو:
رعبُ القرار لدى ترامب يتجلّى في التذبذب، والتصريحات المتناقضة، والانتقال من التهديد إلى الاحتواء، بوصفه مؤشرًا واضحًا على فشل الردع الأميركي أمام معادلة يمنية غير متوقَّعة.
فالقوة العمياء، حين تعجز عن الحسم، تبدأ بالارتجاف.
أما ذُعر نتنياهو، فهو أعمق من خوفٍ سياسي؛ إنه قلق وجودي.
تحوّل الكيان من مبادرٍ إلى متلقٍّ، ومن صانع تهديد إلى أسير جبهات مفتوحة لا يملك إغلاقها، ولا يضمن مآلاتها.
وهنا يتجاوز الشعار كونه كلمات، ليغدو أداة ضغط نفسي وسياسي قبل أن يكون صاروخًا أو طائرةً مسيّرة، ويثبت أن خطاب أنصار الله انتقل من الهامش الإعلامي إلى لغة تُرعب صانعي القرار أنفسهم.
حينَ يخدمُك عدوُّك — سُننُ الله في الصراع:
من عظمة الإسلام أنك إذا تحرّكتَ له خدمك كلُّ شيء… حتى أعداؤك.
هذه ليست عبارةً وعظية، بل قانونُ حركةٍ قرآني. يشرح الشهيد القائد السيد حسين الحوثي رضوان الله عليه ،أن الحقّ—حين يُعلَن بثبات—يُجبر الباطل على التعرّي.
فكلُّ هجومٍ دعائي، وكلُّ تحذيرٍ دولي، وكلُّ جلسةٍ طارئة، تزيد البصيرة لدى المستضعفين، وتُراكم الشرعية الأخلاقية والسياسية للموقف.
هنا يصبح فزعُ الأعداء شهادةَ حق:
إذا تحرّكوا ضدك، فاعلم أنك أوجعتهم.
وإذا حذّروا منك، فاعلم أنك تقدّمت.
وإذا كرّروا اسمك وشعارك، فاعلم أنك تمدّدت.
قال تعالى:﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
إنها معادلة نفسية–إيمانية تُنتج ثباتًا عمليًا: لا ارتباك أمام التهديد، ولا تراجع أمام الضجيج، بل تحويل الخوف المعادي إلى رصيدٍ لنا.
الشعار في معركة الفتح الموعود:
من الرمز إلى الفعل المركّب يتعامل ترامب مع الشعار بوصفه «إهانةً لهيبة أمريكا»، لأنه يفضح تآكل الردع حين تعجز القوة عن إسكات المعنى.
أما نتنياهو فيراه كابوسًا وجوديًا؛ لا لأنه كلمات، بل لأنه خطة عمل: صواريخ، مسيّرات، بحرٌ مُغلَق، واقتصادٌ مُستنزَف.
هنا تتجلّى خطورة الشعار:
يكسر هيبة الدفاع الجوي حين يخترق العمق.
يخنق الشرايين الاقتصادية حين تتحوّل الممرات إلى مناطق محظورة.
يسدّ أفق التسوية لأن الأيديولوجيا الواضحة لا تُشترى.
وهكذا دخل الشعار معركة الفتح الموعود بوصفه قوةً مركّبة:
معنىً يحرّك، وفعلًا يُربك، وسرديةً تُسقِط الأقنعة.
الخاتمة: الوراثةُ ليست شعارًا… بل نتيجة:
الوراثةُ في منطق القرآن ليست مصادفة، بل حصيلةُ وعيٍ وصبرٍ وعمل.
وحين يردّد الخصمُ شعارك، ويحذّر العالم من تأثيرك، ويطلب الحماية من فعلك، فاعلم أن سنّة التمكين تعمل.
هكذا صار أنصارُ الله وارثين:
ورثةَ المبادرة، وورثةَ السردية، وورثةَ الجرأة على تسمية العدو، وورثةَ معادلةٍ جديدة تقول للعالم:
إن المستضعفين—حين يتحرّكون لله—لا يرفعون شعارًا… بل يغيّرون التاريخ.
الكاتب من اليمن