تحديد كميات استهلاك البنزين اليومية يفاقم معاناة سائقي السيارات في دمشق

 

وهج 24 : على بعد أمتار من محطة للوقود في شرق دمشق، يترجّل أبو سامي من سيارته ويجهد لدفعها يدوياً جراء نفاذ البنزين منها، بعدما بات لزاماً عليه التقيّد بكمية يومية حددتها الحكومة السورية لمواطنيها، بينما تلوح في الأفق بوادر أزمة بنزين.
من خلف مقود سيارته، يقول الشاب ذو اللحية السوداء الخفيفة «مصيرنا دائماً أن نقف في طوابير، ننتهي من أزمة الغاز، تأتي أزمة المازوت، ننتهي من المازوت يأتينا البنزين، ولا نعرف ما الذي ينتظرنا غداً».
ويضيف أبو سامي الذي يقضي ساعات عدة يومياً منتظراً أن يحين دوره في محطة الوقود، «دائماً نعاني».
وبعد أشهر من نقص حاد خصوصاً في أسطوانات الغاز ونقص في المازوت، يبدو أن الأزمة توسعت لتطال البنزين، إذ تشهد مناطق سيطرة الحكومة السورية منذ أيام عدة زحاما أمام محطات الوقود، ويضطر سائقو السيارات إلى الوقوف في طوابير تمتد مئات الأمتار.
ويوم السبت الماضي أصدرت وزارة النفط والثروة المعدنية تعميماً ينص ولفترة محدودة، على تخفيض الكمية اليومية المسموح بها للسيارات الخاصة من 40 لترا إلى 20 يومياً. وخفّضت في تعميم آخر صدر بعد يومين الكمية إلى 20 لترا كل يومين، على أن لا تتغير الكمية المسموح استهلاكها شهرياً عن 200 لتر، وهي الكمية المدعومة من الحكومة.
وقال وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم، خلال تفقده عدداً من محطات الوقود في دمشق، ان الهدف من هذه الخطوة «فسح المجال أمام أكبر عدد من المواطنين للتعبئة في اليوم الواحد»، مطمئناً في الوقت ذاته أن «المادة متوفرة».
وبدأ الازدحام أمام محطات الوقود بعد تداول معلومات عن توجه الحكومة إلى تخفيض الدعم للبنزين، ما دفع بأصحاب السيارات إلى المسارعة لتعبئة سياراتهم.
ولم يستبعد رئيس الحكومة عماد خميس خلال لقاء مع عدد من الصحافيين المحليين احتمال صدور قرار بتخفيض كميات البنزين المدعومة من الحكومة.
وأفاد عن دراسة «تبيّن أن وسطي استهلاك أكثر من تسعين في المئة من السيارات في سوريا هو نحو 120 لترا شهرياً»، وبالتالي فهذه «الكمية التي تستحق الدعم».
واضطر سائق سيارة الأجرة عبدو مسرابي (67 عاماً) إلى الانتظار أربعة ساعات أمام محطة وقود في منطقة الزبلطاني في شرق دمشق، قبل تعبئة سيارته.
وقال في مقابلة «عشرون لتراً يومياً كمية لا تكفيني، أعمل على سيارة الأجرة وأتنقل فيها طيلة النهار…وإذا توقفت عن العمل، فلن أستطيع تأمين الطعام لي ولأولادي».
وبلغ إنتاج سوريا قبل اندلاع النزاع في العام 2011 نحو 400 ألف برميل نفط يومياً، أكثر من نصفها للاستهلاك المحلي والباقي للتصدير. أما اليوم فلا يتجاوز الإنتاج 14 ألف برميل، حسب مصادر حكومية.
ومُني قطاع النفط بخسائر كبرى خلال سنوات النزاع، بينما لا تزال غالبية حقول النفط والغاز تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، المدعومة أمريكياً، في شمال وشرق سوريا. وتُعدّ استعادة هذه المناطق «إستراتيجية» بالنسبة إلى الحكومة لغناها بحقول النفط والغاز، التي شكلت عائداتها مورداً هاماً لخزينة الدولة قبل النزاع.
وتعاني سوريا منذ أكثر من أربعة أشهر من نقص حاد في بعض المشتقات النفطية والمواد الرئيسية، إذ شهدت شحاً في أسطوانات الغاز التي تستخدم للتدفئة خصوصاً خلال فصل الشتاء، كما انقطع حليب الأطفال من الأسواق. وألقى مسؤولون حكوميون مراراً المسؤولية على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول عدة عربية وأوروبية فضلاً عن الولايات المتحدة على سوريا، ما يحول دون وصول المشتقات النفطية إلى سوريا.
كما فاقمت العقوبات الأمريكية الأخيرة على طهران، أبرز داعمي دمشق، من أزمة المحروقات في سوريا التي تعتمد على خط إئتماني يربطها بإيران لتأمين النفط بشكل رئيسي.
ولوّحت وزارة الخزانة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني بفرض عقوبات على كل الجهات أو الأشخاص المنخرطين في عملية شحن النفط إلى سوريا. وتزامن ذلك مع تعطيل واشنطن شبكة دولية قالت ان إيران وفرت من خلالها وبالتعاون مع شركات روسية «ملايين براميل النفط للحكومة السورية». وتستهلك سوريا يومياً وفق وزارة النفط، 4.5 مليون لتر بنزين، بينما يصل حجم الدعم اليومي للمشتقات النفطية إلى 1.2 مليار ليرة سورية (2.76 مليون دولار).
ويخشى السوريون من تبعات قرار تخفيض الدعم في حال صدوره، كونه سيؤثر مباشرة على بدلات التنقل وأسعار السلع التي يتم نقلها عبر آليات تستخدم البنزين.
وبدأت الحكومة منذ عام وبشكل تدريجي، العمل بنظام البطاقة الذكية، التي يمكن للمواطنين من خلالها شراء المحروقات، بهدف تنظيم وترشيد الاستهلاك والحدّ من عمليات التهريب. وسمح ذلك بتوفير أكثر من 1.3 مليون لتر يومياً من البنزين، وفق رئاسة الحكومة. وخفضت الحكومة العام الحالي الدعم على البنزين من 400 لتر شهرياً إلى 200 لتر شهرياً.
ولا يجد من يحتاج كمية أكبر من البنزين خياراً أمامه إلا السوق السوداء.
وتجنباً للإنتظار، قصد سائق سيارة الأجرة حسام عنتبلي ضاحية جرمانا عند أطراف دمشق لشراء عشرين لتراً إضافياً من السوق السوداء بقيمة 9000 ليرة سورية (20 دولاراً)، أي ضعف سعر الكمية ذاتها من البنزين المدعوم.
وحول ذلك يقول «أفضّل أن أعمل على أن أنتظر، أشتري وقتي بهذا السعر وأمضي لأعمل على سيارتي»، وذلك لتأمين قوت عائلته.

المصدر : أ ف ب

قد يعجبك ايضا