فادي السمردلي يكتب: حين تبتلع الشبكات المهترئة أي إنجاز مائي

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

في كل مرة يُعلن فيها عن مشروع مائي جديد—بئر إضافي، خط ناقل، أو محطة تحلية—يعلو الأمل بأن الأزمة إلى تراجع فتبدو الأرقام مطمئنة على الورق كميات أكبر، قدرة أعلى، وخطط توسّع تمتد لسنوات ولكن ما إن يمر وقت قصير حتى يعود العجز إلى الواجهة، كأن شيئًا لم يتغيّر والسبب ليس لغزًا معقّدًا، بل واقع يومي نعرفه جميعًا جزء كبير من هذه المياه لا يصل أصلًا إلى الناس، بل يتسرّب في الطريق عبر شبكات متهالكة، أو يُهدر بسوء إدارة واستخدام.

الخسائر في الشبكات ليست تفصيلًا تقنيًا يمكن تأجيله، بل هي قلب المشكلة. حين تضخ الدولة كميات إضافية في نظام يعاني أصلًا من فاقد مرتفع، فهي عمليًا تملأ وعاءً مثقوبًا فقد يرتفع منسوب الماء للحظة، لكن الثقوب تعمل بصمت، وتعيد الوضع إلى ما كان عليه—وأحيانًا أسوأ. لذلك، يبدو غريبًا أن تتركّز الاستثمارات غالبًا على “زيادة العرض”، بينما يبقى “تقليل الفاقد” ملفًا ثانويًا، رغم أنه قد يكون الأسرع أثرًا والأقل كلفة مقارنة بمشاريع ضخمة تحتاج سنوات.

المشكلة لا تقف عند حدود الشبكات فحتى لو نجحنا في تقليل جزء من الهدر، فإن النمو السكاني السريع يضغط على أي تحسّن مدن تتوسع، وأحياء جديدة تُبنى، وطلب متزايد على المياه في المنازل والصناعة والزراعة فكل زيادة في الإمدادات تُستهلك بسرعة، وكأننا نركض على جهاز ثابت نبذل جهدًا أكبر دون أن نتقدم خطوة حقيقية وهنا تتضح المفارقة نحتفل بزيادة الإنتاج، بينما يبتلعها الطلب المتنامي قبل أن تترجم إلى تحسّن ملموس في الخدمة.

لهذا، فإن التعويل على مصدر مائي واحد—مهما كان حجمه—لا يصنع أمنًا مائيًا فقد يخفف الضغط مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور الخلل فالأمن المائي لا يُبنى بمشروع واحد، بل بمنظومة متكاملة تُدير كل قطرة من المصدر إلى المستهلك وهذه المنظومة تبدأ من الاعتراف بأن الكفاءة لا تقل أهمية عن الكمية، وأن تقليل الفاقد ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة.

الإدارة المتكاملة للموارد المائية ليست شعارًا أكاديميًا، بل نهج عملي له أدوات واضحة أولها صيانة الشبكات وتحديثها بشكل منهجي، لا على شكل حملات متقطعة وثانيها مراقبة دقيقة للاستهلاك، عبر عدادات موثوقة وأنظمة ذكية تكشف التسربات مبكرًا وثالثها تسعير عادل يشجّع على الترشيد دون أن يثقل كاهل الفئات الأضعف كما يشمل الأمر إعادة استخدام المياه المعالجة حيثما أمكن، وتحسين كفاءة الري في الزراعة، لأنها تستهلك الحصة الأكبر في كثير من البلدان.

لكن الأهم من كل ذلك هو ربط التخطيط المائي بالتخطيط السكاني والاقتصادي فلا يمكن أن تتوسع المدن بلا حساب، ثم نبحث لاحقًا عن ماء يكفيها ولا يمكن أن تتبنى قطاعات إنتاجية كثيفة الاستهلاك للمياه دون تقدير كلفتها الحقيقية فالتخطيط الذكي يعني أن نسأل قبل أي توسّع من أين ستأتي المياه؟ وكيف سنضمن استدامتها؟ وما هي كلفة كل خيار على المدى الطويل؟

التجارب الناجحة حول العالم تشير إلى أن التغيير ممكن حين تتكامل السياسات وتُعطى الأولوية للكفاءة فخفض الفاقد بنسب ملحوظة خلال سنوات قليلة ليس أمرًا مستحيلًا، إذا توفرت الإرادة والتمويل والحوكمة الجيدة وعندها فقط، تصبح أي زيادة في الإمدادات ذات معنى، لأنها تذهب إلى حيث ينبغي أن تذهب: إلى الناس.

الخلاصة بسيطة، حتى لو كان تنفيذها صعبًا لا يكفي أن نضيف ماءً إلى النظام، بل يجب أن نُصلح النظام نفسه فبدون ذلك، ستظل الشبكات المهترئة تبتلع أي إنجاز، وسنستمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها—مشاريع جديدة، أمل مؤقت، ثم عجز يتكرر. الأمن المائي الحقيقي يبدأ من إغلاق الثقوب، قبل البحث عن مصادر إضافية.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا