إذن… أين الإيجابي في خطة كوشنر؟!

 

ماذا تشبه خطة جاريد كوشنر؟ تشبه رسمة لسفينة كبيرة معدة للإبحار في رمال الصحراء. من أجل أن أخذ الخطة الاقتصادية لصهر الرئيس الأمريكي على محمل الجد يجب أن نتمتع بموهبة النسيان، ويجب فصل الواقع عن الوعي من أجل أن نتمكن من قراءة نص ممل جداً ومليء بالوعود الفارغة وكليشيهات رجال الدعاية. أي واقع هذا؟ واقع سيطرة إسرائيلية مطلقة في الفضاء، على الأرض وتحتها، على المياه وعلى الأشخاص وحياتهم الشخصية، وعلى حرية حركتهم، وعلى ممتلكاتهم وآمالهم وحريتهم.
في الحديث مثلاً عن «وصول محدود لمزارعين فلسطينيين إلى الأرض والمياه» دون الإشارة بشكل صريح إلى أن إسرائيل تقوم بتقييدهم ـ فهذا يعني الضحك على القراء. لذلك، احتاج سام بحور، النشيط الاجتماعي ومستشار للأعمال ومحلل للواقع الفلسطيني ـ الأمريكي ـ على أن يجيب كوشنر بنوع من السخرية: «لقد فعلت ذلك، لقد أصدرتَ 136 صفحة تخلو من كل شيء. وهي صفحات ملونة فيها صور». هذا ما كتب في رسالة مفتوحة من «أمريكي إلى صديقه». الخطة قرأها على شرفة بيته في البيرة «التي تطل على مستوطنة إسرائيلية غير قانونية، بسغوت». لقد فحص أين تندمج المستوطنة في خطة كوشنر. «أعتقد أنها تندمج جيداً، لأنك لا تشير إلى أنها موجودة. وأعرف أنه لا يجب علينا نحن الفلسطينيين أن ننشغل بحقائق مقلقة على الأرض».
في الـ 26 سنة الأخيرة تم إصدار آلاف أوراق العمل والاقتراحات لمشاريع تتعلق بمؤسسات فلسطينية ودولية. وجميعهم استخدموا نفس الكلمات التي تزين المشاريع التي أنتجها مصنع سلالة ترامب: تعزيز، قطاع خاص، جو أعمال، مشاريع، تنافسية التصدير الفلسطيني، مناطق صناعية، تحسين النقل، تطوير جهاز التعليم، دمج النساء في سوق العمل. ولكن الذين صاغوها بدأوا من نقطة البداية الضرورية من أجل النظر في الوقائع. لقد عرفوا أنه لا يمكن الحديث بصوت مرتفع عن تطوير الاقتصاد الفلسطيني بدون المطالبة برفع القيود الإسرائيلية التي تقيده. حتى أن تقارير البنك الدولي أشارت إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر مئات ملايين الدولارات كل سنة بسبب سيطرة إسرائيل على 70 في المئة من أراضي الضفة الغربية (مناطق ج). هذا تقريباً هو الجزء الذي قرر سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مثل أصدقائه في المستوطنات، بأنه يحق لإسرائيل أن تضمه.
مليارات الدولارات صبت في غزة والضفة باسم الأهداف المأمولة لتنافسية القطاع الخاص والاقتصاد المزدهر، وهو الأخ التوأم للسلام. ما فعلته هذه الأموال فعلياً خلال ربع قرن هو تخفيف الكوارث الاقتصادية التي فرضتها وتفرضها إسرائيل على الفلسطينيين بسبب السلب المستمر لمواردهم الطبيعية (المياه، الكسارات، الغاز الطبيعي). إن قيود الحركة وحظرها وخلق الجيوب المخنوقة وحولها فضاء المستوطنات العنيفة تبتلع الأرض والمياه، تتسع باستمرار.
الأموال التي خصصت للتطوير حولت كهبات للسكان الذين يزدادون فقراً، والذين لا تسمح لهم إسرائيل بتحقيق إمكانياتهم الاقتصادية والإبداعية الكامنة. الدول المانحة فضلت تبذير المليارات بدل أن تفرض على إسرائيل كبح نهمها الاستيطاني. مثلاً، دافعو الضرائب الأمريكيون والأوروبيون قاموا بتمويل مشروع الاحتلال الكولونيالي. أما بعد وقف مساعداتها، فتخطط الولايات المتحدة إلى أن تقوم الدول العربية بتمويل الاحتلال الإسرائيلي بدلاً منها.
الأموال التي حولت للرواتب والبناء والمشاريع مكنت م.ت.ف من خلق طبقة بيروقراطية تجارية حافظت على الوضع الراهن (التكيف مع الجيوب والتنسيق الأمني مع إسرائيل)، بدلامن وضع استراتيجية جديدة ضده. ولكن لأن المساعدات في السابق لم تشطب الواقع، فإن القيادة الفلسطينية استطاعت مواصلة التظاهر بأنها تخدم خطة الدولة الفلسطينية المستقلة. السفينة في صحراء كوشنر لا تسمح حتى بهذا التظاهر، وهذا هو الأمر الإيجابي فيها.

عميره هاس
هآرتس 25/6/2019

قد يعجبك ايضا