« الداعية» الإسرائيلي أفيخاي أدرعي لأهل غزة: اتقوا الله! وحين يتحرش لاعبون بعارضة بدون عقاب!

مريم مشتاوي

 

مثير للحزن والقرف في الوقت نفسه، تداول كثير من الشباب العرب تصريحات وتسجيلات الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي يتحدث العربية بطلاقة أهلها، فهو ينحدر من أصول عربية – على ذمة الويكيبيديا- وقد عرف عنه إضافة إلى رعونته، انخراطه في العديد من المواجهات والتراشق الكلامي مع متابعين وشخصيات من العالم العربي يقفون ضد الاحتلال البغيض وممارسته الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني.
نشر على صفحته في الفيسبوك مؤخراً تسجيلاً يظهر مشاهد مؤلمة لحرق كامل لمحاصيل الفلسطينيين في قطاع غزة قام به «مشاغبون»، حسب قوله، مصحوباً بخطبة «عصماء» حول مآثر الدين الإسلامي، التي تنهي عن هذا «الفعل المشين».
في الحقيقة من يتابع الفيديو ويسمع صوته المشحون بنبرة من «الصدق» المبتذل والغصات المفتعلة، يكاد ينسى أنه يعمل ضابطاً في جيش الاحتلال الصهيوني، وقد يوشك أن يصدق بأنه غاندي هذا الزمن العربي الرديء والمصلح الأوحد.
يقول أدرعي : «أقف الآن أمام أحد الحقول الزراعية، التي قام «المخربون» في قطاع غزة بحرقها، بواسطة البالونات الحارقة، التي يطلقونها من القطاع لزرع التخريب في الأرض كما تشاهدون».
ويكمل عظته – التي تدمي القلب – مؤكداً أن «الشيخ يوسف القرضاوي شرح في كتابه عن رعاية البيئة في شريعة الإسلام وعن تحريم تخريب البيئة، فما بالكم يا أيها المفسدون في الأرض من الغزيين تحرقون الأرض كأن لا حساب في يوم الأخرة!؟
ثم يتابع «خاشعا»: «اتبعوا دين الإسلام حقيقة، ولا تكونوا من المنافقين، وإذا كان الله غايتكم، فلماذا تحرقون ما خلق الله من شجرات طيبة وحقول. وإذا كان الرسول قدوتكم، فأينكم من «ولا تحرقوا زرعاً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة اسمعوا لعلكم تتقون».
إنه لعجيب أمره! لقد جعل من نفسه أضحوكة العصر، بعد هذا البيان «السماوي»، الذي لا يتلاءم وتاريخه الأسود الحالك. على من يتذاكى هذا؟
هل فعلاً نسي الضابط الإسرائيلي أن بلاده هي سلطة احتلال ونهب وتدمير أساساً، وصاحبة خبرة تاريخية في قطع الآلاف من أشجار الزيتون، وتدمير البيوت، وتشريد آلاف الفلسطينيين من قراهم وبيوتهم وأرزاقهم؟!
كيف استطاع أن يتجاهل، وهو يتحدث عن تخريب البيئة أن بلاده تمتلك مفاعل ديمونا النووي، ناهيك عن أن بلاده صنعت أكبر جدار فصل عنصري في العصر الحديث، ولديها تاريخ حافل في سرقة الآثار الفلسطينية والمستحقات الفلسطينية!
على الرغم من كل جرائم الاحتلال، علينا أن نعترف أن الرجل محظوظ جداً بآلاف العرب المعجبين بصفحته، والذين يتفاعلون معه، ويتفاعل معهم، كما لو أنهم عائلة واحدة، بذرائع لا تمر على عاقل، وهي أن السلام ممكن مع من يسرقون الأرض ويزورون التاريخ.

إنه فن تصغير المصائب!

منذ أيام حصلت واقعة هزت وسائل التواصل الاجتماعي وتداوكها العديد من القنوات العربية، وكانت «بي بي سي» عربي أبرز من تناولها بشكل مفصل.
إنها حادثة تحرش لفظي قام بها بعض لاعبي المنتخب المصري الوطني بحق عارضة أزياء مصرية مقيمة في الإمارات العربية عبر صفحة «انستغرام».
لقد مرت الحادثة مرور الكرام، ولم يفصل اللاعبون من الفريق، كما كان سيحصل في الفرق العالمية، إن وقع أمر مشابه.
ولم يواجه اللاعبون أية عقوبات حقيقية أو أية مساءلات قانونية، بل على العكس تماماً هم يستعدون الآن لمباريات مقبلة، وكأن شيئاً لم يكن!
والمصيبة الأكبر أن البعض، وكالمتوقع في بلادنا، لام الضحية. فاتُهِمت الفتاة بأنها متسلقة وغاوية شهرة.
ومن بين هؤلاء المتصيدين في الماء العكر المذيع مدحت شلبي، الذي «اتحفنا» بـ»عبقريته وقدرته المذهلة» على التحليل النفسي والاجتماعي، فأطل علينا عبر منبره الإعلامي قائلاً: «هي بنت غاوية شهرة فتشتهر منين وتجيب فولورز منين! عملت حاجة وسبعين ألف فولور، لأنها حطت تلات أربع أسماء لعيبة من المنتخب. فالصفحة بتاعتها اشتعلت!
هذا أمر متدني منك! تعملي دا في محاولة لإيقاع الشباب.. مش عايزين نكبر المسائل زيادة عن اللزوم».
هل فعلاً يعي شلبي ما يقول؟ وهل المسألة «صغيرة» لنكبرها؟ إنها «فقط» قضية تحرش!
ذكرني هذا الموقف بجملة من مسرحية لبنانية، لا أذكر اسمها، ولكني شاهدتها في صغري، وما زال تأثيرها يطاردني وما زالت تضحكني حتى الآن، حد البكاء:
«سرطان زغير بدماغه»! إنه فن «تصغير المصائب» ولا يتقنه سوى بعض «العباقرة» في مجتمعاتنا.
المشكلة في شلبي وأمثاله أنهم يفتقرون إلى أدنى المستويات الثقافية، ولا يعرفون أن التحرش اللفظي قد يكون أحياناً أسوأ من التحرش الجسدي أو يعادله في السوء ويترك آثاره السلبية على الضحية، وقد يؤدي إلى أمراض نفسية خطيرة.
ومن المؤكد أنه لم يسمع بحركة «هولاباك» الدولية التي تواجه التحرش اللفظي، حتى يعرف بأن الدراسات التي قامت بها هذه الحركة توضح أن التكتم على ممارسات من هذا النوع يحمل تداعيات كارثية على المجتمع. إذ يؤدي، وببساطة شديدة، إلى تفاقم هذه الظاهرة المرضية وانتشارها بسرعة كوباء خبيث.
فالحركة، على عكس نصائح شلبي «الذكية» جدا، توصي الضحية بالنظر إلى عيني المتحرش بشكل مباشر وفضح سلوكه بصوت قوي وواضح.
مرة أخرى، إن التحرش، وبكل أنواعه، جريمة لا يجب التستر عليها. وفي ظل تزايده و»كارثة» تسخيفه من قبل الكثيرين، لا يسعنا إلا أن نتساءل: إلى متى ستبقى المرأة ضحية «جسدها»؟ متى سنكف عن لوم الضحية وتشجيع المتحرشين على التمادي بأفعالهم؟
«العار» الحقيقي، ليس فقط في الاعتداء والتحرش، بل بالتستر على كل من يقوم بهذه الأفعال المشينة، حتى وإن كانوا لاعبي كرة قدم مشهورين، ولهم الآلاف من المشجعين والمتابعين والعشاق.

كاتبة لبنانية

قد يعجبك ايضا