فادي السمردلي يكتب: الإصلاح خيار استراتيجي وليس مجرد خطاب

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

لم يعد الحديث عن الإصلاح في الأردن ترفاً لغوياً أو شعاراً سياسياً متداولاً، بل أصبح توصيفاً دقيقاً لمرحلة حساسة تمر بها الدولة فالإصلاح اليوم يتجاوز كونه أداة لتحسين الصورة أو معالجة ظرف طارئ، ليغدو حاجة وطنية مرتبطة بحماية الاستقرار وضمان مستقبل الدولة فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة داخلياً، إلى جانب التحولات العميقة في الإقليم، تطرح سؤالاً جوهرياً هل هناك انتقال فعلي من إدارة الأزمات إلى بناء مشروع وطني طويل الأمد؟

خلال السنوات الماضية، تمكن الأردن من تجاوز أزمات كبرى عصفت بدول مجاورة، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته غير أن القدرة على تجنب الأسوأ لا تعني بالضرورة أن المسار الحالي هو المسار الأمثل فالسياسات التي قامت على الاحتواء وتدوير الزوايا كانت مفهومة في مراحل معينة، لكنها حين تتحول إلى أسلوب دائم في إدارة الشأن العام، فإنها تفقد فعاليتها وقد تصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل إذ إن تأجيل القرارات الكبرى يستهلك رصيد الدولة مع مرور الوقت ويحدّ من قدرتها على المبادرة.

كما أن المواطن الأردني اليوم يختلف كثيراً عما كان عليه في السابق. فقد ارتفع مستوى الوعي، وتغيرت التوقعات، وأصبح الحكم على الأداء العام أكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة لا بالخطاب العام فالقضايا المتعلقة بمستوى الدخل، وفرص العمل، وجودة الخدمات، والإحساس بفاعلية المشاركة السياسية، أصبحت عناصر أساسية في تقييم العلاقة بين المواطن والدولة وهذه المطالب لا تمثل خروجاً عن المألوف، بل تشكل الحد الأدنى لأي علاقة صحية بين المجتمع ومؤسساته.

إحدى الإشكاليات البارزة تتمثل في اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي فعندما يُعلن عن برامج إصلاحية واسعة دون أن يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية، تتراجع الثقة تدريجياً والثقة تُعد عنصراً حيوياً لاستقرار الدول إذ يمكن معالجة الأزمات الاقتصادية بالأدوات المناسبة، لكن تآكل الثقة بين المجتمع والمؤسسات يجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيداً.

الإصلاح السياسي بدوره لم يعد شأناً نخبوياً يخص فئة محدودة، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بحياة الناس فضعف التمثيل البرلماني، ومحدودية تأثير الأحزاب، وتراجع المشاركة السياسية، كلها عوامل تؤثر في حيوية الحياة العامة وعندما يشعر المواطن بأن مشاركته لا تحدث فرقاً حقيقياً، فإن ذلك قد يؤدي إلى عزوف تدريجي عن الشأن العام. ومن هنا تبرز أهمية بناء مؤسسات تعكس الإرادة المجتمعية فعلاً، وتعزز مفهوم المشاركة بوصفه أساساً للاستقرار.

أما على الصعيد الاقتصادي، فالتحدي لا يقتصر على مؤشرات المديونية أو العجز، بل يمتد إلى طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد فالاقتصاد القائم على المساعدات والجباية أكثر من الإنتاج يواجه صعوبة في بناء طبقة وسطى قوية ويحتاج المجتمع إلى بيئة اقتصادية تتيح فرصاً حقيقية وتكافئ الكفاءة والجهد فالعدالة الاقتصادية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل عنصر أساسي من عناصر الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ورغم هذه التحديات، لا يخلو المشهد من عناصر قوة واضحة فالمجتمع الأردني ما يزال يتمتع بدرجة عالية من التماسك، والمؤسسات الأمنية والعسكرية تحظى بثقة عامة، كما أن الموقع الجغرافي يمنح الأردن دوراً إقليمياً مهماً إلا أن هذه المقومات تحتاج إلى أن تُستثمر ضمن رؤية سياسية واضحة تعترف بالتحديات بواقعية وتسعى إلى معالجتها بجرأة ومسؤولية.

في المحصلة، يمكن القول إن الأردن يقف أمام خيارين الاستمرار في إدارة الواقع بالآليات التقليدية وتأجيل القضايا الكبرى، وهو خيار قد يوفر استقراراً مؤقتاً لكنه يراكم تحديات مستقبلية أو المضي في مسار إصلاحي جاد يقوم على مراجعة شاملة وبناء عقد اجتماعي يعزز الثقة والمشاركة والعدالة والخيار الثاني قد يكون أكثر صعوبة على المدى القصير، لكنه الأقدر على توفير استقرار مستدام وشعور حقيقي بالشراكة بين الدولة والمجتمع.

فالإصلاح، في هذه المرحلة، لم يعد مجرد شعار، بل ضرورة ترتبط بقدرة الدولة على تعزيز قوتها الداخلية، وليس فقط الحفاظ على استقرارها الخارجي. والزمن، كما تشير تجارب الدول، يميل لصالح من يبادرون ولا ينتظرون.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا