مجلس “سلام” غزة: آلة إنتاج الوهم وتكريس الاحتلال

طوفان الجنيد  …..

قِمّةُ السُّفورِ والبلطجةِ والإرهاب، حين يُقيمُ الجلّادُ نفسَه حاكمًا على الضحية، ويتقمّصُ أدوارًا مشبوهةً مرتديًا ثيابَ السلامِ المزيفِ وغيرِ العادل، محاولًا خداعَ العالم وخداعَ ضحيته بمثل هذه الادعاءات.
ومن يستطيع أن يصدّق أن المجرم ترامب، مفتعل الأزمات، وراعي الإرهاب، والسفّاح الأول للدماء، والشريكَ الأساسي في الإبادة الصهيونية لأبناء غزة وفلسطين، يمكن أن يأتيَ منه حلٌّ للقضية الفلسطينية؟
إذ يعلن عن تشكيل “مجلس السلام في قطاع غزة” في 16 يناير 2026، وتروّج له واشنطن بوصفه وصفتها الجديدة لمرحلة ما بعد الحرب. بيد أن من يستقرئ هذه المبادرة قراءةً متأنّية، يُدرك أن هذا المجلس ليس أداةً للتحرير أو لبناء سلامٍ عادل، بل نموذجٌ مُتقن لإنتاج الوهم وتكريس الاحتلال بصيغة شيطانية جديدة.
آليات صناعة الوهم
1- وهم الشرعية والتمثيل الدولي
يُقدَّم المجلس كمبادرة دولية لإدارة “السلام”، لكن تكوينه يكشف هيمنةً أمريكيةً شبه كاملة. إذ يضم شخصيات إجرامية موالية لسياسات ترامب، أمثال وزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، والبريطاني توني بلير، بينما يغيب تمامًا أي تمثيل سياسي فلسطيني حقيقي من فصائل المقاومة، أو من ينوب عنها.
2- وهم “الإدارة التقنية” المحايدة
يحاول المجرم ترامب، من خلال هذا المجلس، الترويج لنفسه باعتباره “رجل السلام في العالم”، في مسعى لتحسين صورته المشوّهة والملطّخة بالدماء، عبر الظهور كمشرفٍ محايد على إعادة الإعمار والإدارة المدنية.
غير أن العديد من الخبراء والدبلوماسيين وصفوا هذه الصيغة بأنها ذات طابع استعماري، تقوم على الاستحواذ الاقتصادي على الأموال الفلسطينية المحجوزة لدى الكيان الصهيوني، وسرقة المساعدات الدولية المقدَّمة من الدول المانحة. وقد صرّح ترامب بذلك علنًا حين دعا إلى الاشتراك في عضوية المجلس، مشترطًا الدخول بمليار دولار.
إن الهدف الحقيقي لهذه الصيغة هو فصل السياسة عن الإدارة، ومصادرة الحق في تقرير المصير، وإنتاج سلطة محلية ضعيفة، مستعدّة وموالية للهيمنة الأمريكية–الصهيونية.
3- وهم “الشرعية الدولية” عبر مجلس الأمن
حصلت الخطة على غطاء من قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2803) الصادر في نوفمبر 2025. إلا أن هذا القرار، الذي صوّتت له 13 دولة وامتنعت عنه روسيا والصين فقط، وُصف بأنه أفرغ القانون الدولي من مضمونه، وكشف أن مجلس الأمن ليس إلا أداةً لشرعنة الهيمنة.
كيف يُكرِّس المجلس الاحتلال؟
1- نزع السلاح كشرط للإغاثة
ربط الرئيس ترامب صراحةً أي سلام بنزع سلاح حركة حماس “طوعًا أو كرهًا”. وهو شرطٌ مجحف بحق المقاومة، ويزيد من معاناة المدنيين، ويتجاهل جذور الصراع، ويعيد تعريف “السلام” بوصفه آليةَ إخضاعٍ عسكري، إذ يجرّد الفلسطينيين من أي وسيلة دفاعية في مواجهة استمرار الاحتلال العسكري والانتهاكات الإسرائيلية اليومية.
2- تفويض السيطرة الأمنية
لا تُلزم الخطةُ إسرائيلَ بالانسحاب الفوري من المناطق التي تتمركز فيها أثناء معركة “طوفان الأقصى”، بل تشترط ذلك بنشر “قوة الاستقرار الدولية” وتنفيذ معايير نزع سلاح تحددها إسرائيل نفسها.
ومن المتوقّع أن تتجنب القوى الغربية إرسال جنود إلى غزة، ما قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية أو شركات عسكرية خاصة، لتتحول هذه القوة إلى أداة لقمع الفلسطينيين وحماية المصالح الإسرائيلية.
3- هندسة الواقع الديمغرافي والاقتصادي
تمنح الصلاحيات الواسعة للمجلس — كالإشراف على إعادة الإعمار، ورسم الحدود، وتحديد الأنشطة الاقتصادية — إمكانية استخدام الإعمار كأداة ضغط لتحقيق أهداف سياسية. وقد يؤدي ذلك إلى توطين الفلسطينيين خارج القطاع، أو تحويل غزة إلى كيانٍ معزولٍ اقتصاديًا تحت سيطرة غير مباشرة، بما يقوّض أي أفق لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
رفض فلسطيني وعربي
لقد لاقت هذه الخطوة الشيطانية رفضًا فلسطينيًا واسعًا، إضافةً إلى تحفظ بعض الدول العربية. فقد عبّرت فصائل المقاومة، مثل حماس والجهاد الإسلامي، عن رفضها القاطع للمجلس، واعتبرته أداةً لخدمة الاحتلال.
كما عبّر الفلسطينيون في غزة عن سخطهم من الفجوة الهائلة بين الخطاب الدولي والواقع المأساوي.
كذلك اتسم الموقف العربي الرسمي بالحذر والتحفّظ، خشية أن تتحول الإدارة الدولية إلى “وصاية جديدة” تُبعد السلطة الفلسطينية عن ذاتية القرار.
ختامًا:
إن مفتعل الأزمات لا يمكن أن يقدّم حلًا. فـ“مجلس سلام غزة” ليس سوى إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات جديدة. إنه يستخدم لغة القانون الدولي والإدارة التقنية لتغليف هيكلٍ يكرّس الهيمنة ويطمس الحقوق.
السلام الحقيقي لا يُبنى بمجالس وصاية دولية تُغيَّب فيها الإرادة الفلسطينية، بل بإنهاء الاحتلال، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وكل ترتيب يتجاهل هذه الحقيقة ليس إلا استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، وإنتاجًا لوهم السلام فوق أنقاض غزة وأنهار دماء أطفالها.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا