التخلي عن الأكراد في سوريا… مصالح ترامب أم “ربيع عربي” بإدارة جديدة؟
ثمة شيء ما مبالغ فيه بل مصطنع، في الهزة الأخلاقية التي تتملك السياسيين والصحافيين، من الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي ترامب التخلي عن الأكراد وإخلاء الجنود الأمريكيين من شمال شرق سوريا من أن يسمح بالغزو التركي.
أولاً، لأنه من المضحك قياس ترامب بأدوات تقليدية، فهذا الشخص لم يستخدم اعتبارات كهذه يوماً ما، ونظرة خاطفة في تاريخه كانت ستعلمنا أن الأمر يتعلق بشخص لن يتردد في غرس سكين في ظهر حلفائه، وبعد ذلك الكذب دون أن يرمش له جفن. ثانياً، لأن ترامب يسير في طريق سلفه أوباما في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، ووفقاً لما يرى أنه رأي عدد كبير من الناخبين الأمريكيين من الحزبين الكبيرين. هو يريد تقليص تدخل الولايات المتحدة في المنطقة، والتقليل من حجم التزامها العسكري.
بعض تصريحات ترامب الأخيرة غبية، وربما تحطم عدداً من الأرقام القياسية التي سجلها هو نفسه. أول أمس شرح، رداً على الانتقاد لقراره التخلي عن الأكراد لمصيرهم، بأن “الأكراد لم يساعدونا في الحرب العالمية الثانية، ولم يكونوا معنا على شواطئ نورماندي”. ولكنه بعيد عن أن يكون غبياً في كل ما يتعلق بالسياسة الأمريكية، خاصة عندما تكون وجهته الانتخابات الرئاسية بعد سنة تقريباً. يبدو أنه يلاحظ المشاعر الانفصالية القوية في أوساط المصوتين في الحزبين، ومن وراء الغضب الموجود في واشنطن يقدر بأن هذه الخطوة يمكن أن تعطيه أرباحاً سياسية أكثر مما ستتسبب بالخسائر.
لم ينجح الديمقراطيون في تحويل القصة الكردية إلى طبعة جديدة من سقوط الصين في أيدي الشيوعيين في نهاية الأربعينيات (خطأ استراتيجي اتهم فيه الجمهوريون إدارة ترومان الديمقراطية خلال عدة عقود). الناخب الأمريكي العادي يجد صعوبة في التمييز بين الأكراد والأتراك وبين السنة والشيعة. الهجوم التركي يتم بالنسبة له خلف جبال الظلام ،وليس له تأثير مباشر على حياته أو على حياتها، وإذا تم سحب شباب أمريكيين من هناك كي لا يصابوا فماذا في ذلك.
في المقابل، تقارير الطريقة التي ناور فيها الرئيس التركي اردوغان نظيره الأمريكي في المحادثة الهاتفية فيما بينهما، الأحد، تدل على معرفة ترامب السطحية حول مسائل السياسة الخارجية. المفاجأة التامة التي استقبل فيها قراره في المستويات الأدنى منه تجسد الانقطاع العميق بين الرئيس والشخصيات المهنية في الإدارة. ترامب الذي لا يحتمل خبراء المخابرات يفضل أن يُزوَّد بالأخبار الحديثة بواسطة شبكة “فوكس”، وهو متقلب تماماً في اتخاذ قراراته. مع ذلك، تصعب رؤية كيف ستكون هناك تداعيات سياسية في الانتخابات في 2020 لأدائه الضعيف في الأزمة الأخيرة.
الربيع العربي يعود
تخلي الأمريكيين عن الأكراد ستكون له تداعيات محتملة على الشرق الأوسط وإسرائيل بشكل خاص. في الساحة الإقليمية تعكس هذه القضية استمرار انخفاض الاهتمام الأمريكي وانخفاض التأثير. منذ اللحظة التي تحررت فيها الولايات المتحدة من الاعتماد على النفط العربي كمصدر للطاقة، انخفض استعدادها للتدخل فيما يجري في الشرق الأوسط. الانسحاب الأمريكي المتواصل الذي بدأ في عهد أوباما يخلي الطريق لصعود قوات أخرى، على رأسها روسيا وإيران، الدولتان اللتان لا تعنيهما مصلحة إسرائيل. في الخلفية ضعف التحالف السني الذي حاول دفع الولايات المتحدة للقيام بخطوات عدائية أكثر ضد إيران.
وخلال ذلك، سيحدث في سوريا نفسها فراغ جغرافي يمكن أن يسمح بعودة داعش من بين الأموات. حسب “واشنطن بوست” فإن الأكراد يحتجزون نحو 11 ألف شخص من داعش في نحو 20 منشأة اعتقال بدائية في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم. إن انسحاب القوات السورية الديمقراطية، التنظيم الأعلى الذي شيكل فيه الأكراد القوة الأساسية، يمكن أن يؤدي إلى هرب رجال داعش. ومشكوك فيه إذا كان الأتراك معنيين بالإشراف على ما يجري في هذه المنشآت، أو في معسكر المهجرين “الهول” الذي فيه نحو 70 ألف مواطن، كثيرون منهم من أبناء عائلات إرهابيي”الدولة”..
تركز تركيا على عمليات الإعداد قبل الهجوم البري. الأربعاء، حدث قصف مدفعي على مواقع كردية على طول الحدود بين تركيا وسوريا، وأمس جاءت تقارير عن احتلال قريتين قرب الحدود. وحسب ادعاء اردوغان، قتل في المعارك أكثر من 100 كردي مسلح، وفي هذه الأثناء عشرات آلاف المواطنين بدأوا بالهرب من المنطقة.
وبسبب يبث ترامب رسائل متناقضة (إعلان البيت الأبيض وصف الغزو التركي أول أمس كـ “فكرة سيئة”) قد يقرر الأتراك التقدم بحذر. ثمة فرق بين السيطرة على مناطق قرب الحدود بعمق 5 كم في الأراضي السورية وبين السيطرة على قطاع أكبر بعمق 30 كم تقريباً. العملية الأوسع ستؤدي إلى هرب جماعي للمواطنين وسيرافقه احتكاك عسكري أقوى مع المقاتلين الأكراد. نظام الأسد أعلن عن الانتصار في الحرب الأهلية بسوريا قبل سنة تقريباً، بعد أن استكمل السيطرة على جنوب الدولة بمساعدة مكثفة من روسيا. الأحداث في شمال شرق سوريا، وأيضاً في الغرب في محافظة إدلب التي يتحصن فيها عشرات آلاف المتمردين المسلحين، تدل على أن الحرب لم تنته بعد، حتى لو كانت هوية الطرف المنتصر واضحة جداً. وللحقيقة، الهزة العربية ما زالت موجودة. أحداث الأشهر الأخيرة تدل على أن الطاقة التي تحررت قبل عقد تقريباً ما زالت نشطة على الأرض، والأنظمة العربية المختلفة لن تشعر بأنها واثقة في حكمها.
في تظاهرات العراق، التي تركزت على الاحتجاج على فساد الحكومة، تم الإبلاغ عن أكثر من 100 قتيل، وفي مصر بدأت قبل شهر تقريباً موجة جديدة من المظاهرات ضد النظام. وفي الأردن انتهى إضراب طويل للمعلمين بعد خضوع الملك عبد الله لمعظم طلبات المتظاهرين الذين لديهم في البلاط الملكي شكوك في أن نشاط المتظاهرين تم تنسيقه مع الإخوان المسلمين. الربيع العربي يعود بإدارة جديدة.
ولايات غير متحدة
بالنسبة إلى رئيس الحكومة نتنياهو، فإن التطورات في شمال شرق سوريا تعد مشكلة إضافية، في سلسلة أحداث آخذة في التراكم لتشكل أزمة استراتيجية جديدة. منذ اللحظة التي فاز فيها ترامب في انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني 2016 فقد سوق نتنياهو خطاً حاداً وواثقاً. الرئيس، قيل، إنه صديق حقيقي لإسرائيل، ومحاط بأبناء عائلة ومستشارين يهود. شبكة العلاقات القريبة لنتنياهو معه –بعد اشمئزاز متبادل مع أوباما– ستمكن من تسخير ترامب لصالح الاحتياجات الإسرائيلية.
إن طموحات نتنياهو التي بثها للأمريكيين بصورة دائمة في محادثات مع الرئيس وفي لقاءات بين السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون ديرمر، ورجال طاقم ترامب، كانت بعيدة المدى. أراد نتنياهو إقناع الرئيس بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي وقعه سلفه في صيف 2015، واستخدام أقصى درجات الضغط على النظام هناك لتوفير مظلة سياسية – استراتيجية للتقارب بين إسرائيل ودول الخليج، وبعد ذلك الدفع قدماً بحلف دفاع بين أمريكا وإسرائيل.
عندما صمم ترامب على طرح صفقة القرن لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، نظم نتنياهو لنفسه طريقاً للوصول إلى طاقم السلام الأمريكي بالحد الأقصى. خطة الإدارة حتى بعد مرور سنتين ونصف التي ليس لها موعد نهائي واضح لنشرها الرسمي حتى الآن، تتطابق بدرجة كبيرة مع مواقف الليكود بخصوص التسوية. إضافة إلى ذلك: شخصيات كبيرة في اليمين الإسرائيلي وحتى رجال ترامب أشاروا إلى أن رفض الفلسطينيين المتوقع للخطة يمكنه أن يفتح الطريق أمام خطوات أحادية الجانب لفرض سيادة إسرائيل على أجزاء من الضفة الغربية. اللحظة المناسبة، قالوا، ستستغلها إسرائيل عبر الدعم أو عن طريق غض واشنطن نظرها.
أيار 2018 كان شهراً عاصفاً بشكل خاص لإسرائيل والمنطقة. كشف نتنياهو للعالم عملية الموساد الناجحة التي سرقت فيها وثائق من الأرشيف النووي الإيراني من طهران. وبعد بضعة أيام من ذلك، أعلن ترامب بشكل رسمي عن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي. محاولة حرس الثورة الإيراني الانتقام من إسرائيل بواسطة إطلاق الصواريخ على هضبة الجولان على سلسلة هجمات ضد أهداف إيرانية في سوريا، تم إحباطها بنجاح من قبل الجيش الإسرائيلي. في القدس احتفلوا بنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة. وفي قطاع غزة وصلت المظاهرات العنيفة على طول الحدود إلى الذروة في يوم نقل السفارة. نحو 60 فلسطينياً قتلوا بنار القناصة في يوم واحد، لكن الردود في المجتمع الدولي كانت ضئيلة نسبياً.
هكذا ظهر نتنياهو في حينه، اجتاز بسلام جميع الاختبارات. مشجعون أغدقوا عليه الثناء كساحر استراتيجي ينجح بفضل علاقاته ومؤهلاته في إقناع ترامب ورئيس روسيا بوتين بالعمل من أجل إسرائيل.
بعد سنة وخمسة أشهر على ذلك، تبدو الأمور مختلفة في مضمونها؛ ردت الإدارة الأمريكية بلامبالاة على الهجمات الإيرانية ضد صناعة النفط في الخليج، التي استهدفت حث ترامب على رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران واستئناف المفاوضات حول العودة إلى الاتفاق النووي. ويعلن ترامب فوق كل منبر محتمل بأنه معني بالتفاوض مع إيران وليس بالحرب. تنقل السعودية والإمارات رسائل لطهران بشأن الحاجة إلى تقليص الاحتكاك العسكري بين الطرفين واستبداله بالحوار الدبلوماسي.
في هذه الأثناء، يتنازل ترامب عن الأكراد ويبقي الساحة السورية مفتوحة لبوتين الذي لم يف بتعهداته لنتنياهو بشأن إبعاد الإيرانيين ومبعوثيهم عن حدود إسرائيل في هضبة الجولان. في الخلفية يظهر هناك خطر من أن تزيد إيران جهودها الثأرية ضد إسرائيل إزاء سلسلة أخرى من هجمات سلاح الجو في الأشهر الأخيرة. الهجوم الإيراني الأخير في السعودية جسد قدرة عملياتية عالية على المس من بعيد، ما يلزم إسرائيل أيضاً باستعداد دفاعي آخر. ويثور سؤال: ماذا ستفعل الولايات المتحدة إذا بادرت إيران بهجوم صاروخي واسع ضد إسرائيل؟
من اعتمد على تحالفه مع واشنطن فقد بقي على الورق. في المقابلات السريعة له عشية الانتخابات في أيلول، تفاخر نتنياهو: “أحضرت لكم حلف دفاع”. واتهم وسائل الإعلام بتجاهل هذا الإنجاز (“هذا يعني أن إسرائيل لن تدمر في أي يوم!”، غرد نجله بتحمس على حسابه في تويتر). اكتفى ترامب بمقولة عامة عن استعداده ليفحص حلف دفاع بعد ذلك. في هذه الأثناء، مرت ثلاثة أسابيع ونصف على الانتخابات، وحتى الآن لم يتم الإبلاغ عن أي محادثة هاتفية بين الزعيمين، لم تكن المحادثة التقليدية بمناسبة رأس السنة العبرية، ولا حتى تهنئة بالنجاح قبل جلسة الاستماع لمحامي رئيس الحكومة. ثمة حقيقة في الشائعات بأن ترامب يفضل أن يرى المنتصرين، وليس من يجد صعوبة في تشكيل ائتلاف حتى بعد حملتين انتخابيتين في خمسة أشهر.
أمس ألقى نتنياهو خطاباً في الذكرى السنوية لشهداء حرب يوم الغفران، ركز في أقواله على إيران قائلاً: “هي مركز العدوان الحالي في الشرق الأوسط، وتسعى إلى تعزيز سيطرتها على لبنان وسوريا والعراق واليمن وقطاع غزة. وهي تتسلح بدون توقف، وتجتاز المرة تلو الأخرى نسبة جرأتها، وتهدد بمحو إسرائيل عن الخريطة، وتقول بشكل صريح بأن إسرائيل ستختفي”.
قبل بضع ساعات على قوله هذه الأمور، نشر رئيس الحكومة إدانة علنية للغزو التركي التي غاب عنها اسم الولايات المتحدة. هذا غير مفاجئ، فنتنياهو ذو خبرة، وقد حذر من مهاجمة ترامب بشكل مباشر على خطواته الأخيرة، ولكن أقواله في نهاية خطابه في جبل هرتسل تدل على أن الزمن قد تغير.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 11/10/2019