في مدينة الخليل.. إسرائيل تعتدي على الفلسطينيين كما اعتدت جنوب أفريقيا على السود- (صور)
وهج 24 : يؤكد تقرير حقوقي إسرائيلي، أن إسرائيل تطبّق منذ ربع قرن سياسة فصل معلنة في مركز مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة على غرار جنوب إفريقيا التاريخية منتهكة القوانين الدولية.
وتقوم إسرائيل من خلال هذه السياسة بتمكين مجموعة من سكّان المدينة اليهود من العيش وكأنّهم ليسوا مستوطنين في قلب مدينة فلسطينيّة مكتظّة محتلّة.
ويوضح تقرير منظمة “بتسيلم” لحقوق الإنسان في الأرض المحتلة عام 1967 أن هذه السياسة تتجاهل تماماً احتياجات سكان المدينة الفلسطينيين وتحكم عليهم بالعيش في معاناة لا تطاق، تدفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم وكأنّما بمحض إرادتهم.

ومما جاء في التقرير الذي تولى ترجمته وتحريره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أنه نتيجة لوجود المستوطنين في المدينة، وقّعت إسرائيل ومنظمة التحرير في عام 1997 اتفاقاً موضعياً يخصّ الخليل قُسّمت المدينة بموجبه إلى منطقتين: منطقة “إتش 1” التي كان يسكنها في ذلك الحين نحو 115 ألف فلسطيني، نُقلت الصلاحيات الأمنية والمدنيّة فيها إلى يد السلطة الفلسطينيّة (على غرار بقيّة مدن الضفّة الغربيّة)، ومنطقة “إتش 2” التي تشمل البلدة القديمة وجميع البؤر الاستيطانيّة، وكان يسكن فيها آنذاك نحو 35 ألف فلسطيني، ونحو 500 مستوطن.
في هذه المنطقة ظلّت الصلاحيّات الأمنيّة في يد الاحتلال ولم تنقل ليد السّلطة الفلسطينيّة سوى الصلاحيات المدنية المتعلّقة بالسكّان الفلسطينيّين. أمّا اليوم فيسكن في منطقة “إتش 2” نحو 700 مستوطن في مساحة تبلغ نحو 800 دونم وتشمل المناطق الملاصقة لمنازل المستوطنين والشوارع التي يستخدمونها. من هؤلاء نحو 400 مستوطن يقيمون في المدينة بشكل دائم ونحو 300 يدرسون في المدرسة الدينيّة “شْفي حفرون”.
ويبلغ عدد الفلسطينيّين هناك اليوم نحو 7000 منهُم نحو ألف يقيمون في مساحة ضيّقة تبدأ من منطقة الحرم الإبراهيمي مروراً بشارع الشهداء ثمّ وصولاً إلى حيّ تل رميدة، وهو الحيّ الذي يشمل التجمّع الاستيطانيّ الأكبر.
وتوضح “بتسيلم” أنه في السنوات الأخيرة تُطرح مخطّطات رسمية وغير رسميّة لتوسيع الاستيطان وتطوير “مشاريع سياحية” في المنطقة التاريخيّة في الخليل، وإذا تحققت هذه المخططات فسوف يتضاعف عدد المستوطنين في الخليل خلال السنوات القريبة.
ممنوع دخول المشاة ولا الراكبين
وتقول “بتسيلم” إنه من أجل تطبيق نظام الفصل، فرضت إسرائيل مجموعة من القيود الصارمة على حركة الفلسطينيّين، بحيث أنشأت في قلب المدينة شريطاً متّصلاً ومعزولاً عن بقيّة أجزاء المدينة تمنع دخول الفلسطينيّين إليه مشاة أو راكبين أو تتيح ذلك وفق قيود مشدّدة. ويمتدّ هذا الشريط شرقاً من مستوطنة “كريات أربع” إلى المقبرة اليهودية غرباً، وتشمل التدابير المخصّصة لتقييد الحركة وإبعاد الفلسطينيّين عن الشوارع الرئيسيّة وعن محيط منازل المستوطنين 22 حاجزاً و65 عائقاً من مواد مختلفة.

وتؤثّر منظومة الحواجز والعوائق في المدينة على جميع الفلسطينيّين المقيمين في المنطقة أو المارّين عبرها، وتقول المنظمة الإسرائيلية إنّه نظام يجعل حياة الفلسطينيين هناك جحيماً لا يُطاق، إذ يمنعهم من إدارة مجرى حياة معقول ويحكم عليهم بالعيش في حالة دائمة من انعدام اليقين.
وتتابع: “يلزم أيّ تحرّك لأجل قضاء أبسط الحاجات من قبل الفلسطينيين بعبور حاجز وأحياناً حواجز عدّة. وكلّ عبور كهذا يجبرهم على الوقوف في طابور طويل ليخضعوا لتفتيش مهين وعشوائي حيث يقرر الجنود من يجري تفتيشه ومدى التدقيق فيه ومن يُسمح له بالعبور في نهاية المطاف”. وأوضحت أنه فوق هذا كلّه، يقرّر جيش الاحتلال أحياناً إغلاق حاجز ما بشكل تعسّفي ودون سابق تبليغ للسكان الذين يضطرون في هذه الحالة إلى استخدام طرق بديلة تستغرق وقتاً أطول وفي أحيان كثيرة لا تلائم المسنّين والمعاقين.
وأدى تقليص مجال الحركة إلى جانب مشقّة المشي عبر طرق طويلة تكون أحياناً أو ترابية وغير صالحة، إلى عزل سكّان المنطقة عن أقاربهم وأصدقائهم وقضى على النشاط الاقتصاديّ بحيث يقتصر اليوم على بضعة حوانيت بقالة وورشات تقليديّة.
إذلال وتهديدات
وحسب “بتسيلم” فإن نظام الفصل الذي تفرضه إسرائيل في الخليل يلازمه كجزء لا يتجزأ من سياسة الفصل وإن كان غير معلن، عُنف روتينيّ يمارسه عناصر جنود الاحتلال والمستوطنون ضدّ سكّان المدينة الفلسطينيين: التواجد العسكريّ يفرض على سكان المدينة الفلسطينيّين الاحتكاك اليومي والمستمر بعناصر الجيش في الحواجز والشوارع، الذي يرافقه إذلال متواصل عبر الاعتداء الجسدي وتلقّي التهديدات والإهانات.
علاوة على ذلك يعاني السكّان من اقتحام الجيش لمنازلهم بصورة متكرّرة غالباً في ساعات اللّيل، كما يعانون الاعتقالات التعسّفيّة في الشوارع والمنازل وحتى القاصرين منهم، بمن في ذلك القاصرون ممن هم تحت سنّ المسؤولية الجنائية.
مدينة أشباح
وأكدت “بتسيلم” أن العنف الذي يمارسه المستوطنون ضد سكان الخليل الفلسطينيّين يلازم حضورهم هناك منذ إقامة المستوطنة. في بعض الأحيان يرقُب جنودالاحتلال هذه الاعتداءات ويمتنعون عن التدخّل، وفي أحيان أخرى يشاركون فيها فعلياً.
وتتابع: “في الحالتين ما عدا أحداث استثنائيّة قليلة جدّاً، يحظى المستوطنون بحصانة شبه تامّة، حيث جميع أجهزة تطبيق القانون – الشرطة والجيش والنيابة – لا تفعل شيئاً لمنع الاعتداءات ولا تحقّق فيها ولا تقدّم مرتكبيها للمحاكمة”.

وتنوه “بتسيلم” أن هذا الواقع الجحيميّ الذي فُرض على الفلسطينيين أتى بالنتائج التي تأملها إسرائيل: آلاف الفلسطينيين رحلوا عن منطقة مركز المدينة فتحوّلت إلى مدينة أشباح. لا يقيم في هذه المنطقة اليوم سوى الفلسطينيين الذين لا يملكون خياراً آخر. هكذا هُجرت وتآكلت أجزاء بأكملها من منطقة مركز المدينة الجزء التاريخيّ منها، والذي كان في السّابق مركزاً تجاريّاً يعجّ بالنشاط ويتقاطر إليه الفلسطينيّون من منطقة جنوب الضفة كلّها. مؤكدة أن الرحيل القسري لآلاف الفلسطينيّين بهذه الطريقة وإغلاق مئات المحالّ التجاريّة يشكّل خرقاً للقانون الدوليّ الذي يحظر النقل القسري ويعتبره جريمة حرب.
دعم المسؤولين السياسيين والأمنيين
ونوهت “بتسيلم” إلى أن المعطيات السكانية تقدّم دليلاً ملموساً على أنّ التكاثر السكاني في الخليل قد تداركته إسرائيل عبر دفع آلاف الفلسطينيين إلى الرحيل عن منطقة “إتش 2″، ففي عام 1997 الذي وُقعت فيه اتّفاقيّة الخليل، كان عدد السكان الفلسطينيّين في منطقة “إتش 1” يبلغ 115 ألف. أما اليوم وبعد مرور 20 عاماً ونيف على توقيع الاتفاق فيبلغ عددهم نحو 166 ألفاً أي أن الزيادة هي بنسبة 45%.
مقارنة مع ذلك كان عدد الفلسطينيين في منطقة “إتش 2” عند توقيع الاتفاق نحو 35 ألف، أما اليوم فيبلغ عددهم نحو 7 آلاف. وتضيف: “ما كان يمكن ازدهار الاستيطان في الخليل وتثبيته لولا الدعم التام من قبَل جميع الجهات الرسميّة وكافة صانعي القرار في إسرائيل منذ 1968 وحتى اليوم”.
ويتنبه تقرير “بتسيلم” إلى أن السياسيين الإسرائيليين من اليمين واليسار وقضاة المحكمة العليا وكبار المسؤولين في الجيش وجهاز الأمن ووكلاء النيابة العسكريّة والمدنيّة، جميعهم سلّموا بوجود مستوطنة في قلب مدينة فلسطينية كأمر واقع، وقبلوا بالعنف الشديد والمتواتر الناجم عن وجودها. كما توضح أن كل هؤلاء برروا القمع والاضطهاد المواصلين لسكان المدينة الفلسطينيين وسلب منازلهم وممتلكاتهم وأماكن عملهم. مشيرة لاستمرار هذا الدعم التامّ ولا يزال مستمراً أيضاً بعد أن أضحت نتائج السياسة الإسرائيلية الإجرامية في المدينة واضحة ومعلومة للجميع.
التغطية على السلب والنهب
وترى “بتسيلم” أيضا أن الاستيطان في الخليل شاذ من حيث أنه يقوم في قلب مدينة فلسطينيّة كبيرة، لكن السّياسة المتبعة في الخليل وإن كانت متطرّفة، فهي تماثل في جوهرها السّياسة التي تطبّقها إسرائيل في بقية أراضي الضفة. وتقول إنها سياسة تعتبر أن أراضي الضفة الغربيّة وُجدت أصلاً لخدمة احتياجات إسرائيل، وهي سياسة تتجاهل باستمرار مصالح السكان الفلسطينيّين وتقدّم عليها مصالح المستوطنين. أما الغطاء القانونيّ لهذا كلّه فتوفّره الأوامر العسكريّة والتوصيات القضائيّة وقرارات المحكمة العليا التي تشرعن وتبرّر جميعها استمرار الاحتلال والنهب. وتنعكس هذه السياسة بشكل صارخ على نحوٍ خاص في المناطق التي تسكنها التجمعات الفلسطينيّة الصّغيرة في مناطق “ج” بالضفة الغربيّة – وبعضها مستضعف أكثر حتى من التجمّعات المتبقّية في منطقة إتش 2 في الخليل – وتسعى إسرائيل لتحقيق غاية مشابهة، وهي تفريغ هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين كتحصيل حاصل للظروف القاهرة وغير المحتملة التي فرضتها عليهم إسرائيل، ثم تثبيت السيطرة الإسرائيليّة عليها عبر توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي الزراعية.

لقد اتّضحت منذ زمن طويل الأهداف بعيدة المدى التي ترمي إليها إسرائيل من وراء هذه السياسة: ملايين الفلسطينيّين المجرّدين من الحقوق السياسيّة محكومون بالعيش في معازل زجّتهم الدّولة داخلها فيما هي تنهب الأراضي وتستغل الموارد الطبيعيّة لاحتياجاتها وتقيم البلدات لمواطنيها فقط، بعد أن أقامت لأجلهم جهاز تخطيط منفصل – سخيّ وحديث – وتطبّق عليهم منظومة قوانين مغايرة.
إسرائيل وجنوب إفريقيا
وتؤكد المنظمة الإسرائيلية أن هذا النظام الذي أقامته إسرائيل يذكّر بالأوجُه الإداريّة لنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا الذي كان يقيّد الوصول إلى الأراضي ويفرض القيود على الحركة ويسلب الحقوق السياسيّة. ولكن نظام الفصل المتّبع في الخليل إلى جانب الأشكال التي يتخذها يطبق أيضاً بصورة فظّة وصارخة تتجسّد في الحيّز العامّ على شكل فصل على أساس إثنيّ – بين اليهود والفلسطينيّين – بشكل منظّم ورسمي وعلني ينعكس في صورة شوارع منفصلة وحواجز وعوائق.
وتخلص “بتسيلم” للقول إن الاستيطان في الخليل، الذي أنشئ أصلاً خلافاً للقانون، وتتبعه سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان، ليس قضاءً وقدراً. مؤكدة أن إسرائيل هي التي اختارت ولا تزال تختار إنشاء الاستيطان والحفاظ عليه في قلب مدينة فلسطينية، وهي من يدير المدينة كما لو كانت تخص المستوطنين فقط، وفي الوقت نفسه تتجاهل بكل ما أوتيت احتياجات ومصالح السكّان الفلسطينيّين، علماً أنّ مدينة الخليل بيتهم وهذا الواقع من الممكن بل من الواجب تغييره.
المصدر : القدس العربي