ما يشرع في زكاة الفطر وصلاة العيد

شبكة وهج نيوز – عمان : عباد الله: ها هو شهركم قد تفرق، وصدق الله لما قال: (أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 184]، يعني سرعان ما تنقضي، فها هي قد انقضت، فسبحان مكوّر الليل على النهار، ومكوّر النهار على الليل.

عباد الله: هذا صوم رمضان يودعنا، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبل منا، وأن لا يجعله آخر العهد بهذه العبادة، وأن يعيده علينا مرارًا.
ومهما فعلنا فإننا مقصرون في حق ربنا تعالى، فالمؤمن لا يُصاب بالعطب من عبادةٍ قام بها مهما طالت تلك الساعات في القيام، ومهما طال النهار في الصيام.
والملاحظ أن الإسلام يريد من المسلم أن لا ينقطع عن العبادة، فشرَع له الإكثارَ من الصيام في شعبان، وشرع له ستًّا من شوال بعد رمضان، لتستمر هذه العبادات.
أيها المسلمون: جعل الله لنا في ختام شهرنا عبادة عظيمة، ألا وهي زكاة الفطر، فتعالوا نتلمس بعضًا من حِكَم الشرع في هذه العبادة.
أولاً: صدقة مالية تُخرَج من الأموال.
ثانيًا: أنها واجبة؛ لقول الصحابي: “فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر…”، فلما قال: “فرض” عرفنا الوجوب.

ثالثًا: أنها محسوبة بصاعٍ، لم يُرهق الشرع الناسَ، ما فرض عليهم أكثر من صاع عن كل شخص، وهذا الصاع وحدة حتمية يختلف وزنه بحسب ما يُوضَع فيه، فوزن صاع التمر يختلف عن وزن صاع القمح، يختلف عن وزن صاع الأرز، وإن كان هناك تقارب فهي لا تتجاوز ثلاث كيلو جرامات من الطعام الموضوع في الصاع.
نلاحظ أيضًا أن دائرة مخرجي زكاة الفطر أوسع من دائرة مخرجي زكاة المال، من جهة أن المال له نصاب، فمن ملك أقل من النصاب لا يجب عليه إخراج زكاة المال، لكن صدقة الفطر تجب على كل من ملك زيادةً عن قُوتِه يوم العيد، فكل من ملك زيادة عن قوته وقوت عياله يوم العيد يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر.
فإذًا عدد مخرجي زكاة الفطر أكثر من زكاة المال، كأن هذه العبادة مشمولٌ بها حتى أشباه المساكين، ولذلك قالوا: إن الفقير إذا اجتمع عنده صبيحة يوم العيد أكثر من قوته وقوت عياله يُخرج عن نفسه وعياله، ولو مما اجتمع عنده من الطعام.
وإذا رجعنا إلى الحكمة منها وجدنا أن للشرع فيها مقصدين أساسين:
الأول: “طهرة للصائم”، فالشرع يحرص على تطهير الصائمين من الذنوب والمعاصي، وأن يرقعوا ما خُرق من صيامهم، فصدقة الفطر كسجدتي السهو للصلاة، تكملان ما نقص، وتجبران الخلل، وهكذا صدقة الفطر من أهميتها أنها تجبر خلل الصيام، وما أكثر ما يقع من الخلل من قِبَلنا!! إذًا هي “طهرة للصائم”.
المقصد الثاني للشرع: “طعمة للمساكين”؛ لأن يوم العيد يوم فرح، ولا يريد الشرع أن يوجد بين المسلمين في يوم فرحهم من يمد يده، ولا يريد الشرع في يوم فرح المسلمين من هو جائع.
إذًا أغنوهم بها عن السؤال في ذلك اليوم؛ حتى يعيش المسلمون كلهم في فرحة، وأن تعم هذه الفرحة بلا منغصات كمنغص الجوع ومنغص همّ صاحب العيال بعياله من أين يُطعمهم، فليفرح العيال ورب العيال.
جعل إغناء المساكين بالطعام في ذلك اليوم؛ ليشاركوا بقية المسلمين الفرحة، حتى لا يكون هناك في مجتمع المسلمين من هو منغَّص يوم العيد.
نلاحظ أيضًا أن صدقة الفطر تذكّر الإنسان بمسؤوليته بالإنفاق؛ لأن صدقة الفطر عنك وعمن تلزمك نفقتهم من أهل بيتك، فتذكرك بأنك مسؤول عن الزوجة والأولاد ذكورًا وإناثًا، وإذا كنت تعول والديك أيضًا، فتذكرك بمسؤولية الإنفاق فتعد وتقول: أنا وزوجتي وأولادي، نحن ستة، نحن ثمانية، نحن كذا… وهكذا تخرج عدد الأصواع بحسب عدد أفراد الأسرة، فتذكرك بمسؤولية الإنفاق نحوهم.
هذه الصدقة فيها دقة بمعنى أنك لا بد أن تلتزم بالوقت الذي جاءت فيه، “فمن أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة فطر، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات”، فليست زكاة فطر، صارت صدقة عامة، إذًا فاتت عليه، إذًا يجب أن يحرص على إخراجها قبل صلاة العيد.
ويجوز قبل العيد بيوم أو يومين، ولذلك يجوز أن يُخرجها يوم 28 وليلة 29 ويوم 29 وليلة العيد،
نلاحظ أن صدقة الفطر أراد الشارع أن تكون صدقة علنية؛ لأن الأصل في الصدقة أن تكون سِرّية، هذا هو الأفضل، لكن كانت تُجمَع على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في المساجد، تُجمع أكوامًا من الأطعمة، ثم تُوزّع على الفقراء.
ولذلك فإنه لو أعطى صدقته مع الناس وهم ينظرون فلا حرج، ولا نقول: أخفِ صدقتك في هذه الحالة؛ لأن صدقة الفطر مثل الشعار للإسلام في البلد، كالأضحية شعار الإسلام في البلد، كالأذان شعار للإسلام في البلد، فهذه صدقة قصد الشارع أن تكون مما يُرَى في الغالب.
لمن تُعطى صدقة الفطر؟! للفقير والمسكين، هذا الذي تُعطى وتُسلم إليه، ولا تُعطى صدقة الفطر لغير المسلم
وصدقة الفطر هذه -يا عباد الله- عبادة يُرجى الأجر العظيم لها؛ لمن أداها يرجو وجه الله وثوابه في اليوم الآخر، وعندما يقال: صدقة الفطر، تنبعث المسؤولية الاجتماعية في النفوس، فيبدأ الناس يسألون هل عليَّ أن أُخرجها عن الخادم؟! عن السائق؟! عن العمال لديّ؟!
ولا حرج أن يُخرِج الأب عن أولاده ، أو تُخرِج الأم الموظفة عن أفراد الأسرة، وهي مأجورة على ذلك. فلذلك لا حرج من التبرع بها عن آخرين بعد علمهم وإذنهم.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبل منا وأن يتوب علينا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يثقل موازيننا، وأن يعتق من النار رقابنا
عباد الله: ختم الشرعُ لنا شهرنا بفرحة بعد فرحة، فلما كان للصائم فرحة يومية “إذا أفطر فرح بفطره”، جعل له فرحة في آخر الشهر بهذا العيد الذي في ليلته عبادة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس في تلك الليلة، ألا وهي المذكورة في قوله -عز وجل-: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) [البقرة: 185]، فنحن إذا أُعلن العيد كبرنا تلك الليلة في البيوت والأسواق والطرقات، ونحن ذاهبون إلى صلاة العيد، وفي المصلى حتى يخرج الإمام.
هذا التكبير قال الله فيه: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، والتكبير يكون في الإسلام للإعجاب بالشيء، قال: “إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة”، فكبرنا.
التكبير للإعجاب بالشيء، وأيضًا تذكير للنفس بعظمة الله، فقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، هل هناك أمة في الأرض عندها مثل هذا الصيام؟! هل في أمة في الأرض عندها مثل هذه الصلاة؟ هل في أمة في الأرض عندها مثل هذا القيام؟ هل في أمة في الأرض عندها مثل هذه الزكاة وزكاة الفطر؟ هل في أمة في الأرض عندها هذا النظام المتكامل من العبادات البدنية والقلبية والنفسية؟ هل هناك أمة في الأرض عندها كتاب مثل كتابنا؟! هل هناك أمة في الأرض عندها شرع مثل شرعنا بكل ما جاء به من الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟! منظومة متكاملة.
لذلك أنت ترى التنقل في العبادات: صيام، قيام، انتهى الصيام، تكبير، صدقة الفطر، صلاة العيد: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) لهذه الأحكام، على ما هداكم لهذا الشرع، على ما هداكم إلى هذه النسك والعبادات.
فهذه سنة مطلوب إحياؤها في البيوت، بين الأولاد، في الأسرة: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) إذا أعلن العيد.
ثم يكون ذلك الاجتماع العظيم في صلاة العيد، في ذلك المشهد الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه بإخراج النساء، مع أن الشرع في العادة لا يرغّب في إخراج النساء، وقال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) [الأحزاب: 33]، لما في إخراجهن من الفتنة، لكن في صلاة العيد تحديدًا أمر بإخراج النساء؛ ليشهدن البركة، وفضل ذلك اليوم، “يشهدن الخير ودعوة المسلمين”، وحتى التي ما عندها جلباب “لتلبسها أختها من ثيابها”، يعني تستعير ثيابًا لتخرج.
تخرج النساء حتى الحيض التي ليس عليهن صلاة؟! نعم، ماذا ستستفيد إذا كانت لا تصلي؟! قال: “يشهدن الخير ودعوة المسلمين”، فإذا دعا الإمام أمّنت هي، في بركة في صلاة العيد، في بركة في المشهد، لا تُحرَم منها حتى الحائض، وإن اعتزلت المصلى الحيض ينالهن من البركة بركة اجتماع المسلمين.
هكذا إذًا فرحة الصائم بعدها فرحة أخرى في صلاة العيد، في هذا المشهد العظيم الذي مقصود منه اجتماع أهل البلد، وذلك أن رؤية غيرنا لنا في عباداتنا دعوة إلى الله، ورؤية غيرنا لنا في عباداتنا رهبة في نفوسهم.
ولذلك قالوا في الحكمة من الذهاب من طريق والعودة من طريق، قالوا: ليشهد له الطريقان عند الله، وقالوا: ليجيب المستفتين عن السؤال هنا وهنا، قالوا: ليزور إخوانه في الله هنا وهنا وأقاربه وأرحامه

قد يعجبك ايضا