ما زال العرب يعيشون خـارج حركــة التاريــخ
شبكة وهج نيوز – عمان – سلطان الزغول: هل ثمة دور للمثقف في الراهن والمعيش، وما طبيعة ذلك الدور باعتقادك؟ – لا أعتقد أن للمثقف العربي دورا فاعلا أو مؤثرا في الواقع، إنه يتلقى كباقي الناس سيل الأحداث التي تمضي بالجميع إلى الأفق الذي يرسمه السياسي والاقتصادي. وكي يكون للمثقف دور مؤثر لا بدّ من وجود رؤية واضحة المعالم أمام المسؤول عن إدارة شؤون المجتمع السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، عليه أن يعرف أن سبيل التقدم وتحقيق الخير والصلاح لأي مجتمع يبدأ من هذه المنطقة الرجراجة، منطقة الثقافة، فهي التي تقود اعتقادات الناس وأهواءهم وخياراتهم السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. من جهة أخرى لا بدّ من أن يحقق المثقف استقلاليته التامة، حتى لا يخضع لما يفرضه عليه السياسي والاقتصادي، وحتى لا يقع فريسة للسلطة المهيمنة وتحالفاتها الخطيرة التي تمكنت عبر التاريخ من فرض شروطها، وأبرز هذه التحالفات هو تحالف السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية للهيمنة على المجتمع وإبقائه مقيدا وتابعا لما تفرضه من خيارات. ربما كان تحقيق الحرية للمثقف المنتمي والقادر على إحداث الفارق مستحيلا؟ وربما كان حلما جميلا، لكن أهم الإنجازات عبر تاريخ العالم قد بدأت بحلم. كانت هناك محاولات، قبل أزيد من قرن كامل، لإشاعة وترسيخ التنوير، بوصفه ثقافة ومنهاج حياة، في العالم العربي، وقد فشلت! ولمّا نزل نتخبّـط، باعتقادك؛ إلى متى؟ – إذا كانت الحداثة ثورة شاملة تتناول جوانب الحياة كلها، فإن مشكلة ثقافتنا العربية تتلخص في أنها قصرتها على الجانب الأدبي، بعد أن جرت محاولات لتحقيق التنوير الشامل دون جدوى، لذلك نجد شرخا كبيرا دائم التوسع بين أنماط التفكير السائدة دينيا واجتماعيا وثقافيا، فهي أنماط تنتمي إلى الماضي غالبا، وبين تحقيق الأدب العربي الحديث فتوحات جمالية فريدة تدفعه إلى مناطق موغلة في جدّتها. ولا يستطيع القارئ المشبع بقيم وعادات وأنماط تفكير ماضوية أن يتواصل مع الحداثة الأدبية، ففي الشعر مثلا ما زال المتلقي العربي يركن غالبا إلى القصيدة الكلاسيكية المنتمية إلى عالمه الفكري، والقادرة على تحقيق الاطمئنان والهدوء لعقله ووعيه. وكما أنه لا يمكن لشكل قديم أن يعبر عن حركة تخصّ المستقبل، لأنه غير قادر على استيعاب تطلعاتها وانطلاقاتها وفتوحاتها، فلا يمكن أن يتحقق التنوير في مجتمع يتلفع بعباءة الماضي. لذلك ما زال العرب يعيشون خارج حركة التاريخ منذ انسحبوا من المشهد الحضاري في القرون الوسطى، فإنجازاتهم الحضارية محدودة جدا ولا تكاد تذكر، وهم يكتفون بالتلقي السلبي. أما واقعهم السياسي الاجتماعي فقد صارت تسمه الانقسامات على أسس مذهبية وطائفية ودينية، وهي انقسامات تترسّخ يوما بعد يوم. هل ثمة تحديات تواجه الثقافة المحلية الآن؟ وما أبرز تلك التحديات إن وجدت؟ – الثقافة المحلية جزء من الثقافة العربية التي تواجهها تحديات جذرية، إذ يتخطفها الماضويون الذين يسعون إلى ترك العرب خارج السياق الحضاري من جهة، ومن جهة أخرى يحاول ركب العولمة أن يبتلعها ويلغي وجودها ويلحق أبناءها بثقافته. أما السلطة فهي تحطب بليل، فبدلا من دعم المثقف التنويري وإعطائه دورا فاعلا لإحداث الفارق في المجتمع تلجأ إلى حلول ترقيعية، ما يترك المفكر والأديب الساعي إلى التنوير في مهب أرياح عاتية، فهو متهم أو مغيب. وبذلك تتحول الثقافة في المجتمع العربي إلى خليط عجيب يفتقد إلى المنطق، أما إنسانه المحتاج إلى من يقوده في هذه العتمة فليس أمامه إلا أن ينسلخ عن ثقافته وجذوره أو يعود إلى الماضي ليشبع احتياجاته الروحية والعقلية. ما هو آخر كتاب قرأته، وما هو انطباعك حياله؟ – كتاب البيان والتبيين، أو (التبيّن) للجاحظ. ولعل التبيّن هو الأدق في عنوانه. كنت قرأته في مرحلة عمرية سابقة، لكنني أنقاد له منذ فترة دون قرار مسبق. هذا الكتاب من أهم الإنجازات الثقافية في المكتبة العربية، فهو يقدم لنا نظرات لسانية عربية، ونماذج بلاغية، إضافة إلى مناقشات ولمعات في قضايا شغلت النقد والثقافة العربية في العصور التالية. على الصعيد الشخصي، ما هي أهم انشغالاتك في الفترة الحالية؟ – أنا منشغل بكتابة دراسة حول المبدع في النقد العربي القديم، أتناول فيه النص وتشكيله، وعلاقة هذا النصّ بالمبدع، وكيف نظر النقد العربي القديم إلى هذه العلاقة، وما هي شروط الإبداع في متنه الكتابي. وهي تتمحور حول النص الشعري أساسا، فهو الإنجاز الأبرز عند المبدع العربي القديم، ناهيك عن نظرة العرب إلى هذا الإنجاز، والتي تكاد تلغي ما عداه، وتخرجه من حظوة المؤسسة بسلطاتها المتعددة: ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. عندما تتأمل صورتك في المرآة، بوصفك مبدعا، هل تشعر بالرضا؟ – طبعا لا. لست راضيا إطلاقا. أعتقد أنني في اللحظة التي أشعر فيها بالرضا عن ما أنجزت سأنتهي. على الصعيد الإبداعي، هل ثمة طقوس خاصة تمارسها خلال ممارستك للعمل الإبداعي؟ – ليس الكثير، احتاج ألا أكون متخما، وإلى هدوء طاغ في المكان الذي أتواجد فيه. – (سلطان الزغول شاعر وناقد أردني، حاصل على الدكتوراة في الأدب والنقد من جامعة اليرموك عام 2014 عن أطروحته «الذاكرة الثقافية والتناصّ في الشعر العربي الحديث». من إصداراته: «في تشييع صديقي… الموت» (شعر)، دار أزمنة، عمان، 2004. «سحابة صهباء فاقع لونها» (قراءات في الشعر العربي)، وزارة الثقافة الأردنية، 2013. – See more at: http://www.addustour.com/17644/%D9%85%D8%A7+%D8%B2%D8%A7%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8+%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%B4%D9%88%D9%86+%D8%AE%D9%80%D8%A7%D8%B1%D8%AC+%D8%AD%D8%B1%D9%83%D9%80%D9%80%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%AE.html#sthash.rCDHrly3.dpuf
