ضـمــادات جمـاليـــة على جراحات الواقع الغائرة

شبكة وهج نيوز – عمان – هادي دانيال* تَقَصَّدَتْ الكاتبة إنصاف قلعَجي أن تَسْتَفِزَّ قارئها وتُثيرَ فضولَهُ بفقرةٍ من مقدِّمةٍ وضعَها الكاتبُ الروسي الأمير «فلاديمير فيودورفيتش أودويفسكي» لقصة «المساكين» للكاتب الروسي الأعظم «فيودور ميخائيلوفيتش دستويفسكي» جَعَلَتها تنفرد بالصفحة الأخيرة من هذه المجموعة القصصيّة «ثرثرة في مدار السرطان». يتأفّفُ فيها الأمير الروسيّ مِن القصّاصين الذين «ينبشون كلَّ مافي الأرض مِن أوْضار!» بحيث تَتَوارَدُ على ذهنكَ كلُّ ضُروب «التّفاهات» ولكن في الوقت نفسه «تفكّر دون أن تدري». وتأكيداً منها على نَبْشِ «الأوضار « التي تُثير عنْدَ المُتلقّي «التفاهات»، تنعت كاتبتنا سردها بالثرثرة في عنواني قصتين هما: «ثرثرة أهْل الكهف» و»ثرثرة في مدار السرطان» التي اختارتْها عنواناً لِكتابِها الذي ليس فقط يحثّ قارئه على أن « يُفكِّر دون أن يدري « بل يقبِضُ عليه مِن ياقَتَيّ عقله ووجدانه ويدفعه دَفْعاً إلى التنزُّهِ في»غابات الوجع». وفي الوقت ذاته، ومنذ أول قصَّة تتصَدَّر المجموعة تُنْبِئُنا الكاتبةُ بأنّ كتابَتَها سَرْدٌ مِن الذاكرة لأحداثٍ «نعيشُها لِنَرْوِيها» وفْق عبارة الروائيّ الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز» الشهيرة . لكنّ الذي يفيض عن ذاكرةِ «إنصاف قلعجي» لِيُرْوَى «أحداثاً» عاشَتْها الكاتبةُ بِمُخيّلة أثَّثَتْها ثِمارُ الإبداعِ البَشَريّ ، أكثر مِنَ الذي يَفيضُ لِيُرْوَى وَقائعَ عاشَتْها بينَ الناس الذينَ تَعَرَّفَتْ عليهِم بحَواسِّها كافّة. بين واقعين: مادي ومتخيّل إن القارئ هنا بصَددِ التعرُّفِ على قاصَّةٍ تُقارِبُ الواقِعَ بِما تَخْتَزِنُهُ مِن آدابٍ وفُنُونٍ جميلةٍ بحيثُ قد يتعذَّر على القارئ أن يتلقّى الرسائلَ البرْقيّة التي تبثُّها كاتبتُنا في نَصِّها السَّردِيّ إن لم يمتلك بدَورِهِ أدوات التَّلقّي الاستثنائيّة هُنا، أعْنِي مُطالَعَتَه أعمالاً إبداعيّة أدبيّة وفنيّة بَدْءاً مِن «ملحمة جلجامش» وصُولاً إلى «مائة عام مِن العزْلة» مروراً بأعمال دستويفسكي وألبير كامو وفريدريكو غارثيا لوركا وممدوح عدوان ومؤنس الرزّاز ويوسف إدريس ومحمد شكري الذين تُرَصِّع أسماؤهُم نَصَّها السرديّ إلى جانب عناوين أعمال لا تذكر أسماء مؤلفيها مثل «فاوست» و»أحدب نوتردام» ومدام بوفاري» و «آنّا كارنينا» و»العطر» و»زوربا»، بل تكتفي أحياناً بإيرادِ قول دون الإشارة إلى كاتبه، كقول سارتر «الآخرون هم الجحيم» أو قول أحد شخوص رواية «رجال في الشمس» لغسان كنفاني «اقرعي الخزّان لئلا أموت اختناقا». وإذا كانَ الواقِع المَعيش الذي ترويه يحيل غالباً على واقِعٍ جَمالِيٍّ مُوازٍ، فإنَّ الواقِعين المادّي الملموس من جهة والمُتَخَيَّل من جهة أخرى يتطابقانِ أحياناً كما في قصَّةِ «انتِظار» حيث المَشْهَدُ في لَوْحَة مُعَلَّقة على جدار الغُرفة هُو نفسُه الذي تضجُّ به الغرفة ذاتها بتفاصيلِها كافّة.. وإمعاناً منها في الزجّ بقارئها في عالمِها الجّماليّ الباذِخ وتمكينِهِ مِن مَفاتِيحِ بَوَّاباتِهِ تَعَمَّدتْ الكاتبة تصدير َ قصة «أكياس عظام» بصورةٍ عن لوحةٍ عنوانها «عندما ينام العقل تستيقظ الوحُوش» للأسباني فرنشيسكو دي غويا (1798) وكذلك تصدير قصّة «انتِظار» بصورة عن لوحةِ «المرأة ذات الوشاح الأحمر» للفرنسي كلود مونيه (1870). ولكن ما الذي يجعل قارئ إنصاف قلعجي مشدودا إلى نَصّها؟ فما أنْ يَفتَحَ كِتابَها ويبدأ بقراءةِ ّأي قصّة منه، حتى يجد نَفْسَهُ مُتَوَرِّطاً غير قادِرٍ على التوقّف عن القراءة حتى لو اضطرّ مِن أجْلِ ذلك إلى الوقوف تحتَ شجرة في الشارع أو في ممرّ شقّتِهِ كما حصَلَ لي ولِغَيري مِن الذين قمْتُ بإخضاعِهِم لهذهِ التجربة المُمتعة، حيثُ لا أحَد مِنّا تَوَقَّفَ عن القراءة إلى أن يَفْرَغَ مِن قراءة آخر كلمة مِن الخاتمة التي غالبا ماتكون صادمةً خاصة في تلك القصص التي تنهض فكرتُها على المفارقة (بيان انتخابي) مثلا. إشارات جَمالية غامضة إنّ التّشويقَ واحِدٌ مِن أبْرَزِ عناصرِ نَجاحِ قصَّةِ إنصاف قلعجي الذي الذي يَبْرزُ خاصّةً عنْدَ تَلَقِّي قصصها المُصاغَة بِجُمَلٍ قصيرة، مِن غير أن يَغيبَ هذا العُنصُر عن تلك القصص التي صِيغَتْ بِلُغَةٍ لاهِثة أهملت التنقيط تماما أو عَوَّضَتْهُ بالخطّ المائل.. فالكاتبة المطّلعة جيّدا على تقنيات وطرائق ومهارات بناء القصّة القصيرة ،هي كيميائيّةُ لُغَة بامتيازٍ ليس فقط بالإشتِغالِ على تَعُدُّدِ دلالاتِ المُفْرَدَة الواحدة كمُفرَدَةِ «السرطان» : برجاً فلكيّاً ، مصطلحا جغرافيَّاً ، مَرَضاً خبيثاً، وحَيواناً مائيّاً، بل أيضا بالإيقاع الناجم عن تجاور المفردات المختارة بنباهة وبرشاقة العبارة وسلاسة السرد أكان بناء القصّة تجريبيّاً أم شبه تقليدي. ولايُقلّل مِن هذه الخاصيّة استخدام مُفردات وأحيانا جُمَل مِن وباللهجة»العامّية أو الدارجة». وعلى الرغم من أنّ إنصاف قلعجي قد تعيش أحياناً مُنْبَهِرَةً «في عوالِم رواياتِ الحُبّ العظيمة» فهي تتحدّث في قصة «ثرثرة في مدار السرطان» عن شغفها بالنصّ المفتوح قراءة وكتابة /قارئة وكاتبةً فهو «نَصٌّ مُمَغْنَطٌ يُرسِلُ إشاراتٍ جَماليّة غامضة فتُثير الزوابع» مَثَلها في الحديث عن طرائق كتابتها مَثَل العظيم الروسي الآخَر «أنطون تشيخوف» الذي يتحدّث في قصته»قبلة» عن كيفيّة بناء شخصيّته عبر تجميع صفات يختارها من شخصيات واقعية مختلفة ويركب منها شخصية قصّته ، إلا أنّنا هنا إزاء نصوص سرديّة بِلُغَةٍ ومناخات شِعريّة تثْريها التّضميناتُ مِن أعمال الآخَرين الأدبيّة أو الفنيّة أو «أغاني فيروز» بطاقاتٍ إيحائيّة ودلاليّة تجعل القارئَ أكثرَ فَهْماً وتفهُّماً لرسائلها البرقيّة المُحَمَّلة بالمَواقف المكثَّفة مِن «الذي جرى ويجري» لها ولنا جميعاً. فنحنُ أمامَ ذاتٍ إبداعيّة مَوجُوعة نَفسيَّاً واجتِماعيّاً وسياسيَّا وثقافيَّاً ، بل وجوديَّاً ، فهذه الكاتبة الأردنيّة المُجيدة التي ولدت في حيفا دَشَّنَتْ أوجاعَها تلك الحرب التي عرفتْها بلادُها بين الجيش المَلَكيّ والفِدائيّين الفلسطينيين في أيلول/ سبتمبر سنة 1970، فَوَجَعُها إذَن يصدر عن جراحاتٍ غائرة لعَلّ «العراق» أوسَعَها وأعْمَقها وأغْزَرها نَزْفاً وتحاوِل «إنصاف» عَبَثاً وقف هذا النزيف بالضمادات الجماليّة مُتحدّيةً الكارثة كما تحدّى محمود درويش في «جداريّته» الموت: «هزَمَتْك يا موْتُ الفنونُ جميعُها هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين. مِسَلَّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ، النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ وانتصرتْ، وأِفْلَتَ من كمائنك الخُلُودُ». وكما هو بَيِّنٌ مِن مُقاربتنا هذه فإنّ قصص «ثرثرة في مدار السرطان» هِي التي أوحت لنا بطريقة المقاربة وزاوية الرؤية النقدية، ذلك أنّ العمل الإبداعيّ الأصيل كالنهر الذي يحفرمَجراه، وكما قال الشاعر العراقي حميد سعيد في كتابه الجديد الريّان بالأفكار والمعارف والمَواقف (قال لي عبد الله) وبطريقة سرديّة طريفة مُحبَّبَة وشائقة «إنّ النصّ الذي يُسعِف أكثر مِن ناقد في أكثر مِن مدرسة نقديّة، للتعبير عن أفكارهم في إطار مناهِجِهِم، هو النصّ الذي يتوفّر على قدرة الفعل الإبداعيّ» وهذا ينطبق على نصّ المبدعة إنصاف قلعجي. * شاعر سوري وقيم في تونس – See more at: http://www.addustour.com/17644/%D8%B6%D9%80%D9%85%D9%80%D9%80%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA+%D8%AC%D9%85%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A9+%D8%B9%D9%84%D9%89+%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D8%AA+%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9+%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D8%A9.html#sthash.sfgGIcpu.dpuf

قد يعجبك ايضا