غزة والقدس في ذاكرة النسيان قصيرة المدى: شعب يدفع الثمن وجهود رسمية باهتة

بقلم: د. تيسير فتوح حجة ….

الأمين العام لحركة عدالة.
في زحام الأحداث المتسارعة وتبدّل أولويات العالم، تبدو غزة والقدس وكأنهما تدخلان تدريجياً في دائرة “النسيان قصير المدى”؛ حيث تحضر مأساتهما بقوة عند اشتداد العدوان، ثم ما تلبث أن تتراجع إلى هامش الاهتمام مع أول موجة انشغال دولي جديدة. هذا النمط المتكرر لا يعكس فقط خللاً في الذاكرة السياسية العالمية، بل يكشف أيضاً عن مأزق إنساني وأخلاقي عميق يدفع ثمنه شعب أعزل، يرزح تحت وطأة الاحتلال والحصار والتهميش.
غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة، لا تزال تعيش واقعاً قاسياً تتداخل فيه الأزمات الإنسانية مع الضغوط السياسية، فيما تتعرض القدس لسياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير معالمها وهويتها. ورغم وضوح الصورة، إلا أن ردود الفعل الدولية غالباً ما تأتي متأخرة، أو محدودة التأثير، أو محكومة بحسابات سياسية ضيقة.
أما على الصعيد الرسمي العربي، فتبدو الجهود في كثير من الأحيان باهتة، تفتقر إلى الفاعلية والاستمرارية. بيانات الإدانة لا تكفي، والاجتماعات الطارئة لا تصنع تحولاً حقيقياً، في ظل غياب استراتيجية موحدة قادرة على إحداث ضغط سياسي واقتصادي مؤثر. وبين هذا التراخي الرسمي، يتفاقم شعور الشارع العربي بالإحباط، وتتسع الفجوة بين تطلعات الشعوب ومواقف الحكومات.
وفي خضم هذا المشهد، تؤكد حركة عدالة موقفها الواضح والثابت، المنحاز بشكل كامل إلى الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. إذ ترى الحركة أن ما يجري في غزة والقدس ليس مجرد أزمة عابرة، بل قضية حقوق إنسان وحرية وكرامة تتطلب مواقف صلبة لا تقبل المساومة أو الحياد. وتدعو إلى تحرك عربي ودولي جاد يتجاوز حدود البيانات الشكلية، نحو خطوات عملية تفرض حماية حقيقية للمدنيين، وتدعم صمودهم على أرضهم.
كما تشدد الحركة على أهمية تعزيز الوعي الشعبي، وتفعيل دور المؤسسات المدنية والحقوقية في إبقاء القضية حية في الذاكرة العالمية، وعدم السماح بتحويلها إلى ملف موسمي مرتبط بتصاعد الأحداث فقط. وتؤمن بأن قوة الشعوب وتضامنها تمثل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات التهميش والنسيان.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط استمرار المعاناة، بل الاعتياد عليها. حين تصبح المأساة خبراً عابراً، يفقد العالم جزءاً من إنسانيته، وتفقد القضية مركزيتها في الوعي العام. من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة إحياء الذاكرة، ليس فقط عبر الإعلام، بل من خلال مواقف عملية وسياسات جادة تعيد الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني.
غزة والقدس ليستا مجرد عنوانين في نشرات الأخبار، بل تمثلان جوهر قضية عادلة تتطلب حضوراً دائماً في الضمير العالمي. فالشعوب لا تنسى، لكنها تحتاج إلى من يترجم مشاعرها إلى أفعال. وبين النسيان المؤقت والتجاهل المتعمد، يبقى الشعب الفلسطيني صامداً، يدفع الثمن، لكنه يرفض أن يُمحى من الذاكرة.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى المسؤولية مشتركة: إعلام يعيد تسليط الضوء، ونخب ترفع الصوت، وقيادات تتحمل واجبها التاريخي. لأن النسيان، مهما كان قصير المدى، قد يتحول إلى خطر طويل الأمد إن لم تتم مواجهته بوعي وإرادة حقيقية.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا