بلومبيرغ: روسيا ربما بدأت حرب النفط ولكن السعودية خططت لها مسبقا
وهج 24 : قال خافيير بلاس، مراسل شؤون الطاقة في موقع “بلومبيرغ نيوز”، إن السعودية لديها خطة عالية للانتصار في حرب النفط. وربما كانت روسيا هي التي بدأت حرب الأسعار إلا أن السعودية كانت تنتظر الفرصة لكي تنتهزها. وأشار إلى أن الأمير عبد العزيز بن سلمان (50 عاما) كان في الرابع من آذار/مارس في جناحه بفندق بارك هيات بفيينا يحضر لما ثبت أنه أهم لقاء في حياته.
فهو كمفاوض مخضرم لديه خبرة في الدبلوماسية البيزنطية والصفقات التي تعقد خلف الأبواب التي تميزت بها منظمة أوبك منذ نشوئها قبل 60 عاما. ولا يستطيع إلا القلة ردم هوة العداوة بين أعضائها الذين لا يجمعهم إلا شيء واحد وهو إدمانهم على البترودولار. وهو عالم تؤدي عدة براميل نفط هنا وهناك لحدوث فرق. وقال الأمير العام الماضي في تصريحات للموقع: “كيف نعمل على تقسيم هذه الأمور؟” و”ليس هذا علما بل من خلال العلوم والفن والحس العام”.
وعندما التقى في ذلك اليوم مع نظيره الروسي ألكسندر نوفاك لم ينفع لا العلم أو الفن. فقد كانت المحادثات مقدمة لتدهور مزلزل في أسعار النفطوالتي لا يزال صداها يتردد في الاقتصاد العالمي. وهو انهيار قد يعيد إلى تفكير إستراتيجي في سياسة الإنتاج السعودية في وقت تحاول فيه الحكومة السعودية تحويل معظم احتياطها النفطي إلى سيولة نقدية بأكبر سرعة ممكنة بدلا من الحفاظ على الاحتياطي الهائل لأجيال قادمة.
وسيغير تحول كهذا اقتصاديات الصناعة، حيث ستعطي كلفة الإنتاج المنخفضة جدا السعودية الميزة للفوز بأي حرب للأسعار. وبالنسبة للأمير عبد العزيز، الأخ غير الشقيق لولي العهد محمد بن سلمان، فهذا يمثل مقامرة هائلة فأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم اختارت التعايش مع أسعار منخفضة للنفط. وظلت الرياض صامتة حول نواياها في الحرب الحالية ولكن إن كانت الشكوك صحيحة فإنه نتيجة الحرب ستكون بناء على نظريات داروين التي يبقى فيها الأحسن أو الانتقاء الطبيعي. ففي الوقت الذي يزيد فيه العالم حربه ضد التغيرات المناخية فإن الطلب على النفط سيتزايد إلى الذروة في العقود المقبلة. ومن المحتمل أن تظهر كل من السعودية وروسيا بجراح من المواجهة الحالية، بالإضافة للضرر الذي سيحصل على آخرين خاصة شركات استخراج النفط من الصخر الزيتي.
وفي المملكة فالتفكير الحالي هو السماح للأسواق الحرة بمواصلة العمل. وإن كان المسؤولون يشعرون بالخوف فإنهم يحاولون عدم إظهار هذا. فالسعودية ستحاول التعايش لعام أو عامين مع أسعار نفط منخفضة وستقوم بتعديل النفقات وإعداد مسودات لحماية المواطنين خاصة ممن هم بحاجة للمساعدة. وقال خالد الدباغ، المدير المالي في شركة النفط العربية التي تملكها الحكومة، للمستثمرين في 16 آذار/مارس: “نحن مرتاحون بسعر 30 دولارا للبرميل”، وهو رأي يوافق عليه الوزراء والمسؤولون في الرياض. وتستطيع شركة أرامكو تحمل أسعار نفط منخفضة ولمدة طويلة.
وبالعودة إلى لقاء فيينا فالنذر ليست جيدة. فمع هبوط أسعار النفط بسبب صدمة فيروس كورونا على الصين كانت الرياض تضغط على روسيا لتخفيض معدلات إنتاج النفط التي تعاونتا على تطبيقها في نهاية 2019. وقطع الإنتاج بمعدل 1.5 مليون برميل في اليوم يساعد على تحقيق الاستقرار في الأسواق، كما قال الأمير عبد العزيز. ووافقت كل الدول الأعضاء في أوبك+ معه باستثناء نوفاك.
وقالت روسيا إن الطلب على النفط ليس واضحا ويجب مواصلة التخفيض الموجود لثلاثة أشهر مقبلة وبعد ذلك اتخاذ قرار للخطوة المقبلة. وشعرت موسكو أن تخفيض الإنتاج يعني مساعدة لصناعة النفط الأمريكي المستخرج من الزيت الصخري ولهذا السبب حان الوقت لأسعار منخفضة للنفط. إلا أن الأمير عبد العزيز وضع نظيره الروسي أمام إنذار: اقبل خطة تخفيض معدلات الإنتاج وإلا خرجنا من التحالف، وكان رد نوفاك تجاهل الإنذار. وقبل مغادرته فيينا تحدث أمام الكاميرات التي كانت تنتظره وقال: “من بداية نيسان/إبريل كل دولة عضو في أوبك+ حرة في ضخ الكمية التي تريد”. وكانت الصدمة واضحة فالطلب على النفط انخفض بنسبة 10% أقل من العام الماضي.
وقال بوب ماكنالي، مؤسس شركة رابديان إنيرجي غروب: “هذا هبوط على قاعدة ملحمية”. وقد تقول الرياض إن نوفاك هو من بدأ حرب الأسعار وليس السعوديين إلا أن المملكة كانت جاهزة للحرب. وما لا يعرفه الكثيرون ولكن قلة من الأمراء والمسؤولين البارزين في الرياض، فقد كانت المملكة تحضر لهذه اللحظة منذ عدة أسابيع. وبالنسبة للسعوديين فقد كانت تصريحات نوفاك ضخ النفط حسبما تريد ضوءا أخضر لزيادة معدلات الإنتاج. وما لم يلاحظه الكثيرون هو أن شركة أرامكو كانت تحدد أسعار النفط مثل الساعة وبوقت محدد من الشهر لكنها لم تفعل يوم 5 آذار/مارس. وعندما قررت أرامكو تحديد السعر بعد أيام من لقاء نوفاك- عبد العزيز فقد كان بمثابة إعلان للحرب. فقد خفضت الشركة سعر البرميل بدرجة لم تقم بها منذ 30 عاما وبأسعار محبذة لزبائنها بما فيها أكبر شركات مصافي النفط مثل إكسون موبيل وبي بي وشيفرون. وحصلت المصافي على كلمة من أرامكو بأنها ستزيد معدلات الإنتاج بنسبة 25% أي بأكثر من 12 مليون برميل في اليوم. ويقول روجر ديوان من شركة الاستشارات أي أتش أس ماركيت: “يتطلع السعوديون لزيادة الإنتاج على المدى القصير بهدف جلب كل طرف إلى طاولة المفاوضات”.
وعندما فتح خام برنت، معيار النفط العالمي، للتداول في 8 آذار/مارس فقد في أقل من ثوان نسبة 30% من قيمته، وهي أكبر خسارة له منذ حرب الخليج في عام 1991. ففي كانون الثاني/يناير ارتفع إلى 70 دولارا للبرميل وانهار الآن إلى 30 دولارا للبرميل. وضرب انهيار النفط الأسواق المالية التي تعاني من ضعف بسبب فيروس كورونا كما أن النمو الاقتصادي عانى بسبب الفيروس. وكانت حملة الصدمة والترويع السعودية محاولة كما رآها البعض على أنها انتقام من روسيا. والهدف حسب هذه النظرية هو جلب موسكو للتفاوض من جديد. وهذا منطقي، فلماذا تريد السعودية دفع أسعار النفط إلى مستويات منخفضة؟ صحيح أن الرياض تبدو أن لديها الميزة على روسيا في مجال أسعار النفط، بسبب ما لديها من قدرات إضافية للإنتاج وكلفة منخفضة للإنتاج- 3 دولارات للبرميل. ولا تستطيع روسيا متابعة السعودية في القدرة الإنتاجية، إلا أن موسكو قادرة على الدفاع أكثر من السعودية.
ففي السنوات الأخيرة قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتحضير ميزانية احتياطية للحرب من أموال النفط. وزاد الاحتياط منذ عام 2015 بنسبة 60% مقارنة مع السعودية التي تراجع احتياطها الأجنبي بنسبة 28%. وأكثر من هذا فالعملة الروسية معومة وقادرة على استيعاب جزء من الضربة. ولأن المجتمع الروسي عانى منذ سنوات من العقوبات الأمريكية، فهو قادر على تحمل آلام جديدة. وحتى الآن لم تؤد أساليب السعودية لدفع روسيا إلى التفاوض من جديد. فهي لم تتفاجأ بتراجع أسعار النفط ولا ترى حاجة لعقد لقاء مع أوبك. والسبب هو أن حرب الأسعار منحت موسكو شيئا تريده، فقد دفعت شركات إنتاج النفط من الزيت الصخري الأمريكية إلى تخفيض نفقات.
وبدلا من الانتظار كما يقول بريان سينغر، المدير في (غولدمان اند ساكس غروب إنك)، فإن مدراء شركات الزيت الصخري تحركوا بسرعة وخفضوا النفقات بدلا من المراقبة والانتظار كما حدث عندما حاولت السعودية في الفترة ما بين 2014- 2016 إفلاسهم “ففي هذه المرة كان التخفيض سريعا”. والسؤال لماذا لم تقم السعودية بتخفيض الإنتاج من طرف واحد لدعم الأسعار؟ والجواب هو أن التاريخ يقدم لنا أمثلة، فبعد سنوات من أزمة النفط في عام 1979 قام وزير النفط السعودي أحمد زكي اليماني بخفض الإنتاج وبدون مساعدة من أحد، ولكنه عزل من منصبه عام 1985 وتم التخلي عن سياسته.
وبعد أن زادت المملكة من إنتاجها ارتفع سعر النفط بنسبة 70% من تشرين الثاني/نوفمبر 1985 إلى أيار/مايو 1985. وباستثناء صعود سعر النفط أثناء حرب الخليج 1990- 1991 احتاج السوق 15 عاما لكي يعود إلى مستوى سعر للبرميل بـ 34 دولارا. ووعد كل وزير نفط سعودي بعدم تكرار خطأ اليماني والأمير عبد العزيز ليس استثناء. وعندما فتح الروس الفيضان في فيينا قفز السعوديون وزادت أرامكو معدل الإنتاج إلى 13 مليون برميل في اليوم من 12 مليون برميل. وهو التزام مكلف جدا، فعندما قررت أرامكو عام 2004 زيادة الإنتاج إلى 12 مليون برميل في اليوم من 11 مليونا، فإنها قضت ستة أعوام وأنفقت مليارات الدولارات على المشروع. وقال خالد الفالح وزير الطاقة في عام 2018 إن زيادة الإنتاج ستكلف المملكة ما بين 20- 30 مليار دولار. ومن الصعب الرجوع إلى الوراء.
ويقول بسام فتوح، مدير معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة: “في الوقت الذي يزيد فيه السعوديون الإنتاج، فقدرتها واستعدادها على تخفيض الإنتاج تصبح أكثر صعوبة، لأنه لا يوجد منتج يريد العمل تحت قدراته الإنتاجية القصوى”.
وأصبحت السعودية مهووسة بسوق الطاقة الذي بات يشكله التغير المناخي. ففي دليل اكتتاب أرامكو عام 2019 قالت إن الطلب على النفط قد يصل ذروته في الـ20 عاما المقبلة. وربما كان هذا تعبيرا عن إستراتيجية جديدة. فالاحتياط النفطي الكبير يدفع السعوديين على ما يبدو لتحويله إلى سيولة نقدية بسرعة. وهذه إستراتيجية تعطي السعودية حصة في السوق وتدفع الشركات ذات الكلفة العالية في الإنتاج وليس شركات الزيت الصخري ولكن الشركات الكبرى التي تتعرض لضغوط من المساهمين لزيادة الأرباح.
كما أن انخفاض أسعار النفط قد يبطئ من تبني السياسات البيئية والخضراء، خاصة تلك الرفيقة بها مثل السيارات الكهربائية. ولو استطاع الروس والسعوديون إخراج عدد من المنافسين من السوق فإنه قد يصبح مقتصرا على عدد محدود. لكن سياسة تحويل الاحتياط إلى سيولة نقدية تحمل مخاطر، فإنتاج كبير وطلب قليل يعني أسعارا منخفضة. ولو انضم إليها عدد آخر فالطلب سيقل كثيرا وهو ما لا تتحمله السعودية لأنها بحاجة إلى 80 دولارا للبرميل. وستواجه السعودية بدون هذا عجزا في الميزانية وربما تأثرت قيمة الريال. واتخذ محمد بن سلمان قرارات خطيرة ولكن تغيير سياسة النفط قد تكون الأخطر.
المصدر : القدس العربي