كتاب “في بلاغة الخطاب الإقناعي: نحو تصور نسقي لبلاغة الخطاب ” للباحث حسن لمودن

د/ محمد بنلحسن

صدر للباحث المغربي الدكتور حسن لمودن عن دار كنوز الأردن الطبعة الأولى (2014)، كتاب جديد بعنوان: “في  بلاغة الخطاب الإقناعي: نحو تصور نسقي لبلاغة الخطاب”

والكتاب يمارس تحريضا استثنائيا، ومضاعفا على متلقيه؛ من أجل الحلول بأجوائه، واستكناه أقاصيه؛ وتفيؤ ظلاله الوارفة، والمثول بحضرة معانيها السامقة، ودلالاتها المتعددة، وأبعادها التي تبدو بعيدة الغور، ليس بسبب تَرْشِيحه يوم الرابع من شهر نونبر الفائت 2015؛ عن جدارة واستحقاق؛ للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عن فرع الفنون والدراسات النقدية، بمعية أحد عشر عملا من أصل 151؛ ينتمي باحثوها لـ 12 دولة عربية بالإضافة الى أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزلندا، ولكن أيضا بسبب انغماس موضوعه المرتبط ببلاغة الإقناع، في راهننا اليومي، وهواجسنا المجتمعية الملحة، يقول الباحث في مقدمة عمله :

“لا ينفصل اهتمام هذا البحث ببلاغة الإقناع عمّا يجري في العصر الراهن، فالإقناع أبرز إشكالية في عالم يعرف تقدما سريعا ومتواصلا في وسائل الاتصال والتواصل والإعلام. )في بلاغة الخطاب الإقناعي) .

بناء على هذا التصور، فأطروحة الباحث الدكتور حسن المودن في كتابه هذا، تراهن على إخراج البلاغة العربية من وظيفتها العتيقة، وماهيتها التقليدية، إلى آفاق أرحب وأوسع وأفسح؛ تتقاطع مع الأبعاد الاجتماعية والإنسانية ، يقول الباحث :

” وبهذا الرهان على الاجتماعي تتخذ البلاغة معاني عديدة ذات أبعاد اجتماعية، فهي قد تعني دراسة تقنيات الحجاج، كما قد تعني أكبر من ذلك: دراسة المنطق الاجتماعي. وهي قد تعني رغبة البشر في تجاوز انقساماتهم، فتكون وسيلة لرفع التوتّر بين الأفراد والجماعات ” (م ن) .

والباحث لا يتقوقع خلف أسوار البلاغة القديمة، بل يؤكد في مستهل عمله انفتاحه على مفاهيم البلاغة الجديدة من خلال بيان نظرة هذه البلاغة الجديدة إلى اللغة باعتبارها خطابا؛ أي بوصفها شكلا من أشكال الممارسة الاجتماعية. ذلك لأن اللغة جزء من المجتمع، وهي سيرورة اجتماعية، وهي مشروطة اجتماعـيـا بالجوانب غير اللغوية من المجتمع. والعلاقة بين الخطاب والمجتمع ليست ذات اتجاه واحد، فالخطاب يتحدد بالبنى الاجتماعية، ولكن له تأثيراته على هذه البنى، وله إسهامه في تحقيق الاستمرار أو التغيير الاجتماعيين” م ن .

الجدير بالإشارة أن البلاغة باعتبارها من أهم مفاتيح فك مغاليق الخطاب، ظلت هما استراتيجيا لدى باحثنا الذي قال في إحدى المناسبات العلمية بأن “الدرس الجوهري الذي تعلمته في مساري العلمي المتواضع هو أن البلاغة أحد أهم الأبواب المركزية والضرورية في قراءة الخطاب”

الجميل في كتاب الدكتور حسن لمودن أن اهتمامه ببلاغة الإقناع يتقدم على أنه اعتبار للحيوية التي عادت إلى علم البلاغة، حيوية  تتبدى  أهم خصائصها حسب الباحث في ثلاثة  مظاهر:

  1. الرهان على الاجتماعي

  2. إعادة الاعتبار للبعد الحجاجي والاهتمام بتقنيات الإقناع المؤثر، وعدم قصر  البلاغة على ما هو  أسلوبي وشعري.

  3. التوجّه نحو مفهوم نسقي للبلاغة يرفض إقامة حواجز بين بلاغة الحجاج وبلاغة الأسلوب .

وبمقتضى هذه النتائج، دعا الباحث إلى إعادة ” قراءة التراث البلاغي الإنساني، ‏والتراث البلاغي جزء منه بالطبع كما يقول ” وان لم يحظ بعد، في افتراضنا، بالاهتمام الذي يسمح بإعادة بناء ‏تصورهم النسقي المركب للخطاب، وإعادة بناء ملاحظاتهم حول الإشكالات التي يخلقها التعالق بين ‏الشعري والتداولي داخل الخطاب الواحد.‏” م ن

إن الباحث الذي بدا في كتابه الجديد أوسع باعا، وأشد ذراعا في علم البلاغة،  أبى أن لا ينفتح على مفاهيم البلاغة الجديدة، دون أن يقوده  ذلك  لنبذ بلاغتنا التراثية وراء ظهره، بل ألفيناه يؤكد أهميتها باستمرار على طول أبواب الكتاب وفصوله، قائلا ” ومن واجب الباحثين العرب إعادة بناء ‏تراثهم، خاصة وأن هذا التراث يتميز براهنية يستمدها من مفهومه النسقي للبلاغة، وهو المفهوم ‏الذي يشغل اهتمام بعض الدارسين المعاصرين.‏”

بهذا الرهان، يميط الباحث اللثام عن أسباب نزول كتابه ومنجزة النقدي، إنه ملتزم بقضايا تراثنا البلاغي العربي، بل ويعتبر الانشغال به، من واجبات الباحثين العرب، ليس من باب العلاقة العاطفية فقط، بل وبالنظر إلى كفايات هذا التراث وراهنيته؛ من خلال تلاقي كثير من همومه، وهواجسه ، ورؤى بلاغييه، مع مستجدات البلاغة المعاصرة .

وقد أولى الباحث تراثنا البلاغي العربي بأعلامه البارزين كافة الأهمية ذاتها ، بدءا بأبي عثمان الجاحظ، ومرورا بابن المعتز، وأبي هلال العسكري، والخفاجي، وعبد القاهر الجرجاني، وصولا إلى السكاكي، مستحضرا الفترات الحاسمة التي تشكل فيها التصنيف البلاغي العربي، انطلاقا من مرحلة التأسيس وصولا إلى فترة النضج والاكتمال ..

وقد انبرى الباحث لإقناع عموم المتلقين والقراء، والباحثين، والمتخصصين بقوة البلاغة؛ والتي تكمن في رأيه” من جهة أولى، في ارتباطها بالإقناع″م ن

كما أن قوتها تتجلى في” انشغالها بشكل أكبر وأوسع، وخاصة على  المستوى التطبيقي، بهذه المنطقة التي تتميز بهذا الاشتباك المعقد الذي يحصل بين مكونات النص الداخلية وأغراضه ومقاصده التداولية، وتنتبه بشكل لافت إلى ما في الألفاظ والأصوات والتراكيب والصور من تعدد دلالي وثراء إيحائي، ومن قابلية للاستعمال في مقامات وسياقات مختلفة.” م ن .

وقد وزع الباحث أبواب كتابه على عناصر العملية الإبداعية الثلاث، المبدع/ النص / المتلقي، أي ما سماه المتكلم منتج الخطاب، والمجهودات التي يبذلها في سبيل بناء الخطاب الإقناعي، ونجاحه في تحقيق غاياته، والنص والمخاطب…

لقد سعى الباب الأول إلى إبراز دور المتكلم المحوري في إنتاج الخطاب البليغ وإنجازه.

أما النتيجة الأساسية التي خلص إليها الباب الثاني فتتمثل في كون النص الشعري هو الموضوع الذي تؤثره البلاغة العربية، وهي في مقاربتها لهذا الموضوع، تلح على فعالية الشعري، ونجاعته في التأثير والتلقي.

وفي الباب الثالث والأخير، يستنتج الباحث بأن الخطاب الإقناعي، ينهض  على أفكار، أبرزها انتفاء الفصل في بلاغة الخطاب الإقناعي، والتعارض بين المتكلم والمخاطب، بل هناك حوارية لا تقتضي المطابقة الشكلية للغة المخاطب، بل تقتضي أن تكون للغة المتكلم قابلية التواصل والتأثير في الآخرين.

 في ضوء ما سبق، نصل إلى نتيجة أساسية وهامة، لانشك في صدقها ومصداقيتها ، تتمثل في كون كتاب الدكتور حسن المودن” في بلاغة الخطاب الإقناعي “،  ليس بحثا معمقا في بلاغة الخطاب الإقناعي، حاول إقامة جسور بين كتابات أسلافنا في مضمار البلاغة، والتنظيرات الحديثة في هذا الباب، بل إن كتابه بمثابة مرجع هام للغاية، نفض الغبار عن منجزات تراثنا البلاغي العربي الذي أعاد إليه الباحث ألقه، وهتك القناع عن زواياه المشرقة؛ التي تناساها كثير من أهل البحث في زماننا الحاضر، وهذا ينم عن حسن معاشرة الباحث للتراث البلاغي العربي، وعن دراية عميقة بقضاياه وأسراره، معاشرة يؤطرها تصور علمي وليس اتباع الهوى !

إن قيمة كتاب في بلاغة الخطاب الإقناعي، تؤكدها كفايات الباحث الدكتور حسن المودن، في مقاربة قضايا البلاغة القديمة والحديثة، بمنهج علمي متكامل ورصين، تمكن من خلاله الباحث، الانحياز إلى لغة العلم والموضوعية، ونأى بذاته عن التأثير في النتائج والأحكام التي خلص إليها. فهو ذو منهج وسطي لا يتعصب للخطاب البلاغي القديم وينغلق داخل أسواره، كما أنه ليس من دعاة القطيعة مع الماضي بحسناته وسيآته .

لا نكاد نعثر في خطاب الدكتور حسن لمودن على النزعة الايديولوجية الضيقة والمتهافتة؛ التي تنظر للتراث بانتقائية واستعلاء، بل نجد التزاما بضوابط المنهج العلمي وقواعده الصارمة .

 وهذا مجال في البحث لا يستسهله إلا الجاهلون بعلم البلاغة وقوانينها الصارمة، والعميقة والمتشابكة…وكم  أقلام تعثرت في معالجة نظير هذه القضايا، وكم أقدام زلت حين عميت أبصار أصحابها عن رؤية الحقائق،  وإقامة العلائق، ومحاورة القديم مع الجديد…

إن المثير في منهج الدكتور حسن لمودن، هو جرأته الكبيرة على إقامة جسور بين بلاغتنا كما هي مبثوثة في بطون المصادر القديمة، والمفاهيم والنظريات الحديثة التي تكرع من معين العلوم المعارف والحقول المتعددة؛ سواء في اللسانيات أو في السيميائيات، وفي مجال علم النفس؛ والذي أبان الباحث عن علو كعبه في تطبيق آلياته من خلال دراسته السابقة حول آليات اشتغال اللاوعي داخل الخطاب الأدبي؛ إنها جرأة ومغامرة محمودة العواقب والنتائج؛ لأن القارئ يصاحب باحثا وهو متبصر مطمئن إلى عدته المنهجية، وموسوعيته المعرفية، وإجرائيته خلال سحب المناهج النقدية على المتن موضع الدراسة..

ولعل ما يحسب للباحث في هذا الكتاب الوازن، هو قدرته على المزاوجة بين فقه الخطاب البلاغي والنقدي، سواء في القديم أو في الحاضر، وكفايته الكبيرة في ضبط الشبكة المصطلحية للخطاب البلاغي الذي اشتغل عليه .

لقد أبى الباحث أن يَعْبر الخطاب البلاغي دون التوقف عند العتبة المصطلحية، لاسيما تلك المصطلحات المفاتيح التي تنبهم بدون بيان المعاني، وتغمض في غياب شرحها الدلالات والمقاصد؛ لذا ألفيناه يخصص مدخلا قبل الخوض في الأبواب الثلاثة للكتاب، يعرف فيه مصطلحات بارزة، وهي الخطاب الإقناع والبلاغة …

 لكن الذي يثير انتباه المتلقي والقارئ الحاذق، هو منهج الدكتور حسن المودن في إماطة اللثام عن ماهية المصطلحات، فالباحث أبلى في سبيل ذلك البلاء الحسن، حيث لم يترك حقلا من الحقول المعرفية والبلاغية والسانية والسيميائية، ولا مصدرا من المصادر، ولا باحثا من الباحثين، يمكن أن يفيد منهم في إضاءة المصطلحات، إلا طرق أبوابهم، وجال في عوالمهم …الباحث لم يحد قيد أنملة عن منهجه الصارم  في البحث، وذلك  بالانطلاق من التراث القديم، وصولا إلى المحدثين، العرب والأجانب، باللغة العربية واللغات الأجنبية، وقد أسعفه تمرسه بالترجمة واللغات في اقتحام المصادر والتنقيب في المراجع ….

ويستمد هذا الكتاب منزلته السامقة التي لن تخطئها العين، أو أن تتغافل عنها العقول، من المصادر والمراجع النوعية للبيبليوغرافيا الموظفة، وحجمها، والتي شكلت عماد البحث، وسندا للباحث في سبيل إضاءة مفاهيم البحث ومصطلحاته وقضاياه الشائكة، والمتشابكة، والعابرة للأزمنة من القديم إلى الحديث …وقد ناهز عدد مصادره ومراجعه المائتين، واشتملت على المعاجم العربية والفرنسية، والمصادر العربية القديمة والحديثة، فضلا عن المراجع باللغة الأجنبية …

وفي الختام، إن كتاب ” بلاغة الخطاب الإقناعي”، مكسب كبير للخزانة العربية، ليس بمكنة أي باحث في الخطاب البلاغي العربي القديم، والبلاغة الجديدة، الاستغناء عنه.. ونعترف للقراء، بأن هذه الرحلة الوصفية المقتضبة،  لن تغنيهم عن قراءة متن الكتاب، القادر بمفرده، على تحقيق اللذة والمتعة الثاويتين بين تضاعيف  الخطاب النقدي والبلاغي للباحث الفذ الدكتور حسن لمودن .

قد يعجبك ايضا