تحليل: تداعيات النفط الرخيص وسط إغلاقات كورونا بين المزايا والمساوئ

وهج 24 : ربما يتضح أن انهيار أسعار النفط، الذي دفع في مطلع هذا الأسبوع أسعار العقود الآجلة لخام القياس الأمريكي إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ، هو بارقة الأمل للاقتصاد العالمي، إذ قد يمثل نقطة الانطلاق لتحقيق الانتعاش عندما تحين نهاية تجميد النشاط الاقتصادي بفعل فيروس كورونا.

فالنفط الرخيص يخفض تكاليف النقل والتصنيع، ويتيح سيولة أكبر للمستهلكين بما يزيد إنفاقهم، أي أنه يؤدي إلى تحسين الأوضاع المالية في الأساس.
لكن في المقابل ربما يكون له أثر مدمر من خلال الإضرار بأسواق الأسهم وميزانيات الدول المنتجة وإشاعة مخاطر الانكماش. فأي الأمرين سيحدث هذه المرة؟
يوضح مؤشر للسيولة تصدره شركة «كروس بوردر كابيتال» الاستشارية أن انخفاض أسعار النفط، بالأضافة إلى التدابير التحفيزية من مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) الأمريكي وغيره من البنوك المركزية، يُيَسِّر بشدة الأوضاع المالية.
ويُقدِّر مايكل هاول، العضو المنتدب للشركة، أن الإجراءات التحفيزية التي اتخذها مجلس الاحتياطي الاتحادي أضافت عشر نقاط للمؤشر الشهر الماضي.
غير أنه قال أن أثر هبوط أسعار النفط كان أكبر ففي رأيه فإن كل انخفاض نسبته عشرة في المئة في أسعار العقود الآجلة للنفط رفع المؤشر بما بين ثلاث وأربع نقاط، أي أن الانخفاض البالغ 60-70 في المئة هذا العام يعادل مثلي ما حققته آثار القرارات التيسيرية لمجلس الاحتياطي الاتحادي في مارس/آذار.
لكن هل من الممكن أن تستفيد الأسواق والاقتصاد في ضوء أن العامل المحرك لانخفاض الأسعار كان انهيارا غير مسبوق للطلب على النفط والذي يتوقع أن يصل هذا العام إلى ما يقارب 30 مليون برميل يوميا؟
الإجابة نعم ولا في آن واحد.
في الجانب السلبي ستؤدي تحركات أسعار النفط إلى تقييد الأوضاع المالية، من خلال انخفاض أسعار الأسهم، وارتفاع عوائد سندات الشركات، وتراجع الإنفاق الاستثماري في قطاع الطاقة. وربما يكون البنزين رخيصا، لكنه لن يغري أحدا بالقيام برحلة طويلة لهذا السبب وحده.
غير أن التدابير التحفيزية النقدية والمالية خففت من هذا الأثر السلبي. كما أن ارتفاع مؤشر «كروس بوردر كابيتال» يمثل بشير خير للاقتصاد. ويقول هاول أن هذا المؤشر عادة ما يسبق مؤشرات مديري المشتريات بما بين ثلاثة وستة أشهر.
وتنظر مجموعة أخرى من مؤشرات السيولة التي يتابعها ستيف دونزيه، من شركة «بيكتت أسيت مانجمنت»، إلى النفط من منظور السيولة الفائضة، أي عندما تؤدي أسعار الإنتاج المنخفضة إلى تحرير موارد للاستثمار في الأصول المالية.
وقال دونزيه أن فائض السيولة الحالية بين 14 و16 في المئة، ارتفاعا من نحو سبعة في المئة في نهاية 2019، يشير ضمنا إلى إعادة تقدير معدل أسعار الأسهم إلى الأرباح بنسبة 50 في المئة خلال ستة أشهر.
وكان رد فعل أسواق الأسهم والسندات هادئا نسبيا على الهبوط الكبير في أسعار النفط هذا الأسبوع. وربما كانت الأسعار تعكس بالفعل انخفاضات كبيرة مقارنة بالعام السابق، في حين أن مجلس الاحتياطي الاتحادي يساند ديون الشركات بما في ذلك بعض السندات ذات المخاطر الاستثمارية العالية.
ولن يسري هذا على بعض منتجي النفط مثل السعودية وروسيا اللتين ستضطران للاستعانة بمدخراتهما للحيلولة دون الركود الاقتصادي. وعلى الجانب الآخر ستتمتع دول نامية مثل تركيا والهند بانخفاض تكاليف استيراد النفط وتخفيف الضغوط التضخمية.
غير أن أحد الأمور التي تغيرت منذ فترات الانهيار النفطي السابقة هو بروز دور الولايات المتحدة كمُصدِّر صاف كبير للنفط الخام، إذ يُقدِّر بنك «مورغان ستانلي» الاستثماري أن استخراج النفط والغاز يمثل فيها 0.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي السنوي وأربعة في المئة من استثمارات الأعمال.
وهذا معناه أن النفط الرخيص لم يعد عاملا إيجابيا فقط لأكبر اقتصاد في العالم، بل إن المحللين في «مورغان ستانلي» قدّروا هذا الشهر أن انخفاض النفط بنسبة 50 في المئة سيؤدي إلى تراجع بواقع 25 نقطة أساس (ربع نقطة مئوية) لإجمالي لناتج المحلي الأمريكي.
غير أن النتيجة قد تكون إيجابية في النهاية. فانخفاض أسعار البنزين للمستهلك بنسبة 40 في المئة سيتيح، حسبما قال محللو البنك لعملائهم للأمريكيين وفورات أي دخلاً قابلاً للإنفاق يبلغ 125 مليار دولار على أساس سنوي.
وأضافوا أن احتياطي مدّخرات المستهلكين سيفيد في «تدعيم الانتعاش على الجانب الآخر» رغم أن النتيجة الصافية سالبة بالنسبة للنمو الأمريكي في الأجل القريب.
ومبعث القلق الآخر هو أن انهيار أسعار النفط يُعقِّد المساعي الرامية لدرء الانكماش في مختلف أنحاء العالم المتقدم.

المصدر : رويترز

قد يعجبك ايضا