الكرك بين العهد القديم والعهد الجديد
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي.
…………..
خرج علينا يومًا رجلٌ من أبناء الكرك، وقد أثقلته المناصب حتى ظنّ أن أثقالها رفعت قدره، وقال مزهوًّا بما لا يُزهي: «عُرضت عليّ وظيفة مالُها أكثر من مال الوزارة، فبعت الحكومة وطلّقتها بالثلاث».
وما درى المسكين أن من يبيع اليوم حكومةً بالمال، يبيع غدًا وطنًا إن زاد الثمن.
ثم أراد بعد ذلك أن يكون صانع العهود، وناسخ التاريخ، فبشّرنا بعهدٍ جديد للكرك، وزعامةٍ جديدة، كأن الكرك عقارٌ انتقلت ملكيته، أو قطيعٌ يحتاج راعيًا مستأجرًا. ونصّب نفسه عمودًا من أعمدة هذا العهد، لا لأنه استقام، بل لأنه مال حيث مالت الريح، وانحنى حيث ارتفع السقف.
أما العهد القديم – في زعمه – فقد كان عهدًا بائدًا، شيوخه محصورون ووجهاؤه مُقصَون، لا لأنهم قصّروا، بل لأنهم لم يتعلّموا فن التزلف، ولم يُحسنوا الوقوف على أبواب السلاطين.
يا هذا،
إن الزعامة في الكرك لم تكن يومًا شهادةً تُمنح، ولا حقيبةً تُحمَل، ولا ختمًا حكوميًا يُعلّق على الرقاب.
الزعامة كانت رجالًا إذا قالوا فعلوا، وإذا وقفوا ثبتوا، وإذا جاع الناس شبعوا معهم، لا قبلهم.
في زمنٍ كان فيه العثماني والإنجليزي يشتريان الرجال بالذهب والمناصب، وقف شيوخ الكرك عراةً إلا من كرامتهم، فهزموا المستعمر وهم بلا مكاتب، ولا حراسات، ولا مواكب.
أما أنتم، فقد هُزمتم وأنتم في المكاتب، وركعتم وأنتم على الكراسي.
وما أنتم – يا زعماء العهد الجديد – إلا وجوهٌ تغيّرت مواقعها ولم تتغيّر قيمها،
تلوّحون بأذيالكم لكل مسؤول،
وتبتسمون لكل عابر سلطة،
وتسمّون الصمت حكمة، والخضوع سياسة، والجبن تعقّلًا.
لو بعث رجال الهيّة اليوم، لما عرفوكم،
ولو وقفوا أمامكم، لما سلّموا عليكم،
لأن الكرك لا تعترف بزعامات تُصنَع في الممرات،
ولا تحترم رجالًا يقيسون الوطن بارتفاع الراتب.
خذوا زعامتكم، واكتبوا عهدكم،
لكن لا تطلبوا من التاريخ أن يصدقكم،
ولا من الكرك أن تصفق لكم،
فالكرك لا تُحكم بمن باع نفسه أولًا ولا بمن يطلب الزعامة ويستجديها .
الكاتب من الأردن