فادي السمردلي يكتب: ظاهرة «بدفع عنك بس صوتلي» انعكاس خلل أخلاقي لا تصرّف عابر

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

 

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

*المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود*

لم تعد عبارة «بدفع عنك بس صوتلي» مجرّد قول عابر يُقال في سياق ضيّق أو ظرف محدّد، بل تحوّلت إلى ظاهرة تعبّر عن خلل أخلاقي عميق في بنية الوعي الفردي والجماعي فهي تعكس عقلية تقوم على المقايضة بدل القناعة، وعلى المنفعة السريعة بدل المسؤولية، حيث يُختزل القرار الإنساني في صفقة، ويُفرَّغ من مضمونه القيمي ليصبح أداة لتحقيق مكسب آني، مهما كان الثمن على مستوى الثقة أو المبادئ أو المصلحة العامة.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تقتصر على الفعل نفسه، بل في المنطق الذي تقيمه وتُطَبّعه داخل المجتمع فعندما يصبح تقديم العون أو اتخاذ موقف مشروطًا بمقابل، يتراجع مفهوم الواجب، ويتآكل الإحساس بالمسؤولية، ويُعاد تعريف العلاقات الإنسانية على أساس الربح والخسارة ومع الوقت، تتكرّس قناعة خطيرة مفادها أن كل شيء قابل للبيع، وأن القيم ليست سوى عبىء يمكن تجاوزه عند الحاجة.

ويزداد هذا الخلل تعقيدًا مع بروز دور الوسيط، ذلك الطرف الذي لا يكون صاحب القرار المباشر ولا المستفيد الظاهر، لكنه يؤدي دورًا محوريًا في تنسيق هذه المقايضات وتسهيلها فالوسيط يعمل على ربط الأطراف، وتدوير المصالح، وتقديم الصفقة في قالب “حل عملي” أو “تسهيل للأمور”، بينما هو في الحقيقة يساهم في شرعنة السلوك الانتهازي، وتحويله من تصرّف فردي معزول إلى ممارسة متكررة ومنظمة.

هذا الوسيط غالبًا ما يقدّم نفسه بوصفه شخصًا خدومًا أو صاحب علاقات أو قدرة على “تسيير الأمور”، لكنه في العمق يرسّخ ثقافة الالتفاف على القيم، ويغذّي منطق أن الطريق الأقصر هو الأفضل، حتى وإن كان على حساب النزاهة أو العدالة أو الاستحقاق ومع تكرار هذا الدور، يصبح الوسيط جزءًا من المشكلة، لا مجرد حلقة عابرة، لأنه يخلق شبكة مصالح تقوم على التبادل غير الأخلاقي، وتُضعف فكرة المسؤولية الفردية.

وعلى المستوى الاجتماعي، تؤدي هذه الظاهرة إلى تآكل الثقة بين الناس، حيث يصبح الشك حاضرًا في كل تصرّف، وتُقرأ النوايا من زاوية المصلحة لا من زاوية القيم. فالعلاقات التي تُبنى على المقايضة لا تصمد طويلًا، لأنها تفتقر إلى العمق والصدق، وتنهار عند أول تعارض في المصالح وهكذا يفقد المجتمع أحد أهم عناصر تماسكه، وهو الإيمان المتبادل بأن الأفعال يمكن أن تكون نابعة من قناعة، لا من حسابات ضيّقة.

كما أن هذا المنطق يفرغ مفاهيم الجدية والاجتهاد والالتزام من معناها، إذ يصبح الطريق إلى أي نتيجة معتمدًا على الوساطة والمقايضة، لا على الجهد والاستحقاق. فيتحول النجاح إلى حالة مؤقتة، بلا جذور، ويصبح الفشل نتيجة طبيعية لتغيّر المصالح لا لغياب الكفاءة وهذا يخلق حالة من الإحباط العام، ويضعف الدافع الداخلي لدى الأفراد لبذل الجهد أو تطوير الذات.

إن مواجهة ظاهرة «بدفع عنك بس صوتلي» تتطلّب أكثر من نقد السلوك الظاهر، بل تحتاج إلى تفكيك الثقافة التي تسمح بانتشاره، ومساءلة دور الوسيط الذي يسهّل ويبرّر ويعيد إنتاج هذا الخلل فالمجتمع الذي يتسامح مع تحويل القيم إلى صفقات، يغامر بخسارة بوصلته الأخلاقية، ويضعف قدرته على بناء مستقبل قائم على الثقة والوعي والمسؤولية.

في النهاية، هذه الظاهرة ليست حادثة عابرة ولا تصرّفًا فرديًا معزولًا، بل مؤشر خطير على أزمة وعي تحتاج إلى مراجعة شاملة فحين ندرك أن المواقف لا تُشترى، وأن القرارات ليست أوراق مساومة، وأن المسؤولية لا تمر عبر وسيط، نكون قد وضعنا الأساس لإعادة بناء الإنسان والمجتمع على قاعدة القيم، لا على حسابات المنفعة المؤقتة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا