فادي السمردلي يكتب: الطريق الحقيقي لحماية الضمان إعادة الـ12 مليار واستثمارها
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
الحديث عن حماية أموال الضمان الاجتماعي في الأردن يتكرر كثيرًا في التصريحات الرسمية والبيانات العامة، لكن هذا الحديث يبقى ناقصًا ما لم يقترب من السؤال الأكثر حساسية ووضوحًا ماذا عن المليارات التي اقترضتها الحكومات من أموال الضمان عبر السنوات؟ فحماية أموال الضمان لا تعني فقط التأكيد أنها “آمنة”، بل تعني أيضًا إدارة هذه الأموال بطريقة تضمن أعلى عائد ممكن لها، وتحافظ على استدامة الصندوق لعقود قادمة.
التقديرات تشير إلى أن ما يقارب 12 مليار دينار من أموال الضمان أصبحت مرتبطة بالدين الحكومي، سواء عبر السندات أو أدوات التمويل المختلفة فمن الناحية القانونية قد يبدو هذا الإجراء طبيعيًا، فالحكومات حول العالم تلجأ أحيانًا إلى الصناديق التقاعدية لتمويل جزء من ديونها ولكن المشكلة لا تكمن في المبدأ بحد ذاته، بل في حجم الاعتماد عليه واستمراره لسنوات طويلة، بحيث تحولت مدخرات الأردنيين عمليًا إلى مصدر تمويل شبه دائم لعجز الموازنة.
الضمان الاجتماعي ليس صندوقًا حكوميًا تقليديًا بل مؤسسة استثمارية هدفها الأساسي تنمية أموال المشتركين لضمان دفع الرواتب التقاعدية في المستقبل وعندما يتم توجيه جزء كبير من هذه الأموال نحو الدين الحكومي بعوائد محدودة، فإن ذلك يطرح سؤالًا اقتصاديًا بسيطًا هل تحقق هذه الاستثمارات أفضل عائد ممكن؟ الجواب في الغالب لا فالعوائد على السندات الحكومية عادة ما تكون مستقرة لكنها ليست الأعلى، بينما يحتاج صندوق بحجم الضمان إلى استثمارات متنوعة تحقق نموًا حقيقيًا في قيمة الأصول.
المسألة هنا ليست مجرد نقاش تقني بين خبراء الاقتصاد، بل قضية تتعلق بحقوق ملايين الأردنيين فهذه الأموال ليست فائضًا ماليًا لدى الدولة، بل اقتطاعات شهرية دفعها موظفون وعمال على مدى سنوات طويلة لذلك فإن إدارتها يجب أن تتم بمنطق الأمانة المالية، لا بمنطق الحلول السهلة لتمويل العجز الحكومي.
من هنا تبرز ضرورة فتح ملف إعادة جدولة الأموال التي اقترضتها الحكومات من الضمان والحديث عن استرداد هذه المبالغ لا يعني بالضرورة دفعها دفعة واحدة، فذلك قد يكون غير واقعي في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الدولة لكن وضع خطة واضحة لإعادة هذه الأموال تدريجيًا هو خطوة أساسية لاستعادة التوازن الاستثماري لصندوق الضمان.
إعادة هذه الأموال ستمنح الضمان مساحة أوسع للتحرك الاستثماري فبدلًا من بقاء الجزء الأكبر من الأصول مرتبطًا بالدين الحكومي، يمكن توجيه هذه الموارد نحو استثمارات أكثر تنوعًا وربحية، سواء داخل الاقتصاد الوطني أو في الأسواق الإقليمية والعالمية فالتنويع الاستثماري ليس رفاهية، بل قاعدة أساسية في إدارة الصناديق التقاعدية حول العالم، لأنه يقلل المخاطر ويزيد فرص تحقيق عوائد أعلى على المدى الطويل.
كما أن تحرير جزء من أموال الضمان من الدين الحكومي سيخفف من حالة التشابك المالي بين الصندوق والحكومة فكلما زاد اعتماد الحكومة على أموال الضمان لتمويل الدين، أصبح مستقبل الصندوق أكثر ارتباطًا بالوضع المالي للدولة وهذا وضع غير صحي من الناحية الاقتصادية، لأن صناديق التقاعد يفترض أن تكون مستقلة نسبيًا في قراراتها الاستثمارية، حتى تضمن حماية أموال المشتركين بعيدًا عن الضغوط المالية قصيرة الأجل.
المطلوب إذن ليس مجرد تطمينات، بل سياسات واضحة أولها الشفافية الكاملة في عرض حجم الأموال المرتبطة بالدين الحكومي وشروطها وعوائدها وثانيها وضع خطة زمنية لإعادة جزء من هذه الأموال بشكل تدريجي وثالثها تطوير استراتيجية استثمارية أكثر جرأة وتنوعًا تضمن تحقيق عوائد أعلى لصالح المشتركين والمتقاعدين.
الثقة في نظام الضمان الاجتماعي هي رأس ماله الحقيقي فإذا شعر المواطن أن مدخراته تُستخدم كأداة تمويل سهلة للحكومات، فإن هذه الثقة ستتآكل تدريجيًا أما إذا رأى أن هناك رقابة حقيقية وإدارة استثمارية صارمة، فإن ذلك سيعزز الإيمان بقدرة النظام على حماية حقوق الأجيال الحالية والقادمة.
في النهاية، أموال الضمان ليست بندًا في الموازنة العامة ولا أداة لتخفيف ضغط الدين العام فهي مدخرات ملايين الأردنيين وحقهم في مستقبل أكثر استقرارًا والطريق الحقيقي لحمايتها يبدأ بخطوة واضحة إعادة جدولة المليارات التي اقترضتها الحكومات، وإعادة توجيهها نحو استثمارات تحقق العائد الذي يستحقه أصحابها. بدون ذلك، سيبقى الحديث عن حماية الضمان مجرد كلام جميل لا يغير شيئًا في الواقع الاقتصادي.
الكاتب من الأردن