قراءة نقدية: رواية (زمن الخيول البيضاء) لمؤلفها ابراهيم نصر الله

ابوخالد نازك ضمرة
حين تجد نفسك مندفعا لتكتب عن رواية تتنازعك فكرتانن الأولى انطباعك العام عن الكتاب ثم انطباعك عن الكاتب، فأي كتاب ادبي قصصي او روائي لا بد ان يعكس لنا وجهة نظر الكاتب ونمط تفكيره وما يشغل باله، وهنا يجب ان يتحدد موقفك ثانية كقارئ محترف، هل تريد أن تكتب مقالا نقديا او انطباعيا، فحين تكتب نقدا لكتاب او رواية، فأنت أمام نص لتحاكمه، وهنا تتساءل هل وفق الكاتب في إتقان الشخوص لأدوارهم في الحياة والقول والعمل وهل كانت اللغة مناسبة للأحداث والوقائع لتؤثر فينا بمنطق وقوة، ثم حبكة الحكاية وتناميها، هل كانت مناسبة للفكرة التي قامت الرواية عليها.
وأمامي اليوم رواية (زمن الخيول البيضاء) للأديب إبراهيم نصر الله، ومن نافلة القول ان ابراهيم نصر الله متعدد المواهب فهو يكتب الشعر بنجاح وكفاءة بنفس القدرة التي يكتب بها القصة والرواية، وله دواوين وروايات كثيرة تثبت ذلك، مدرجة في آخر هذه الرواية الصادرة عن دار الاختلاف –الجزائر، والدار العربية للعلوم ناشرين – لبنان، الطبعة الأولى منها صادرة عام 2007 والطبعة الخامسة من هذه الرواية عام 2011 وهي أيضا مترجمة للغة الإنجليزية، وترجم له الكثير من اعماله إلى لغات مختلفة.
بدءا بالعنونة:
(زمن الخيول البيضاء) لاحظنا أن إبراهيم نصر الله أضاف اسماً مرافقا لعنوان الرواية وهو (الملهاة الفلسطينية)، وهي إضافة كاشفة، تفيد القارئ، وتؤشر للمضمون الذي تدور الرواية حوله، ودليل اهتمام المؤلف بهذه الإشارة، فقد سهل علينا فبحث في المعاجم عن معنى (لها يلهو وملهاة)، وكرس لها صفحة خاصة في آخر الرواية ليشرح مفردة ملهاة، لإشباع الفضول الذي قد يثور في عقل القارئ عن معناها وسبب اختياره لهذه العنونة الإضافية، فاختار تفسير معجم لسان العرب لمعاني وجذور الملهاة من لها بالشي لهيانا ولهوا الخ. وبالاختصار فإنني أضيف من عندي ما أفهمه من مفردة (ملهاة) قد تلهو بوقتك، وقد تلهو بنفسك وقد تلهو بغيرك، سواء كان بشرا او حيوانا او جماداً، ثم حين تلهو تنشغل عن امور اخرى مهمة، او ستنشغل كليا بعنصر اللهو الذي بين يديك او في عقلك، والحكاية ان الإنسان الفلسطيني هو إنسان عربي ملهم وكفء لقيادة التطور والنماء في مختلف لوازم الحياة ومتطلباتها وفي مختلف المناطق والأقاليم، لكن ملهاته أشغلته، ثم وقع ثانية فيما وقع فيه من مصائب وويلات، لينشغل بنفسه بشكل أسوأ في تدبير امور حياته وبهمومه، بعيدا عن اليقظة ومسايرة الظروف والحداثة والإبداع العلاجي العملي. فكانت هذه التسمية خير مؤشر لفعاليات هذه الرواية واثرها على الروح والعقل أثناء قراءتها، وقد تنفعل لتبكي حزنا وتأسفا على كل ذلك العبث والخسائر، بسبب التراث واحداث تافهة أوقفت الزمن وشغلت الناس عن ما يخطط لهم وضدهم، وهم في افكار بالية واحلام تائهة تنحصر في تتبع نسب الفرس مثلاً، واصالة الحصان ابا عن جد، وعن بلاغة العرب في امور لا تقدم للبلد ولا للشعب أي جدوى في مجال الفكر العالمي والتطور الحضاري. وعبر السرد في الوقت نفسه نرى ونلمس أن الغير يعمل بجد وتخطيط وتقدم ولا يشعر الناس بهذا النشاط الهدام وهو يحيط بهم يوما بعد يوم وعاما بعد عام، فرواية (زمن الخيول البيضاء) هي تفصيل ضياع واستهتار بحياة وطن وشعب بأكمله، ليجد نفسه فريسة للعدو وللخيام وللبرد وللتشرد وللجوع وللحرمان وللذل وللهزيمة المخزية وضياع من نوع جديد أقسى ما عرفته البشرية، ثم إن عنصر الشعور بالذنب يرافق كل إنسان فلسطيني حتى الشباب منهم والشابات حتى والأطفال الذين لم يعيشوا في فلسطين ولم يعرفوا خيراتها، إنها ارض العسل واللبن. والخلاصة، فإن لكل فنّ أدبي خصوصيّته وحضوره، يطغى حينًا ويخف وهجه حينًا آخر؛ لكننا شاهدنا في هذا العمل الكتابي السردي، تنوّعًا وتجريبًا ورغبةً لدى المؤلف في إشباع تجربة الكتابة الروائيّة وجعلها فنًّا جامعًا، بقناعة واقتدار، فمزج في حبكة روايته بين التاريخي والواقعي والتراث والحلم.
إبراهيم نصر الله يمسك برقابنا ويقود أي قارئ لروايته منذ الصفحة الأولى حتى الصفحة المليون في روايته التي هي الإلياذة الفلسطينية التي لم ولن تنتهي بانتهاء قراءة الكتاب، وصارحنا ابراهيم نصر الله في مقدمة الرواية بأنه كتب روايات عدة حول همومه وهموم شعبه،وذلك أثناء إنتظاره تواصل نزول وحي لإكمال كتابة هذه الرواية، وليسمع سرد الذكريات وسيل القصص ونتف الأخبار من الشاهدين والشهود، والذين عانوا وشاهدوا وشهدوا على المأساة بتفاصيل تحرق الأعصاب، شعب قتلته السذاجة والطيبة، ومما جاء في صلب الرواية حين خاطب المحامي أهل قرية (الهادية) الذين حضروا يطالبونه بالترافع عنهم في حقهم بأرض بلدتهم، ولاستعادة اراضي القرية لسكانها من الدير الذي دفع الضرائب لسنوات عنهم، فنجح في تسجيل اراضي القرية كلها باسم الدير، فقال المحامي لهم: (تعرفون المشكلة الكبرى التي تهدد البلاد كلها أنكم اطيب مما يجب، طيبون إلى حد مميت) صفحة 411، ملحمة واي ملحمة، كان امينا صافيا، صادقا وقاسيا، يأسر ابراهيم نصر الله مشاعرك وانت تتشبث بكلماته ووصفه للأحداث باناة وبرود، بينما دماؤك في أعماق شرايينك تغلي وتحترق وتجري تسارعا وانفعالا، ويهيأ لي ان نصر الله استطاع أن يتنفس الصعداء وهو يطمئن بأنه ادى ما عليه لإنهاء ملحمة الشعب الفلسطيني حين أنجز هذه الرواية، فأتقن التعبير، وأدى الأمانة وربما نصح الأمة، وابان لها ليلها من نهارها، في روايته (زمن الخيول البيضاء).
إن المعجز في رواية (زمن الخيول البيضاء) هو انك تكاد تحسّ أنها لم تغادر صغيرة ولا كبيرة في الشأن الفلسطيني إلا شملته واحصته وعددته، ووصفته بلسان عربي فصيح، وبتصرفات شخوص الرواية بصدق وامانة دون تصنع او ارتباك، بل كنت كأنك تشهد الحدث، وتتلمس سذاجة الناس والأبطال وهم يتحركون في الفراغ والوهم والحسب والنسب والقبيلة والقرية والطرق وولائم الطعام وركب الخيل وبحماس منقطع النظير، والهوادج والعرائس والزيف والصوفية والشيخة والوجاهة الزائفة والغباء اللعين، والذي اوقع كثيرا من ابطال الرواية في اخطاء قاتلة لهم ولبلدهم ووطنهم، وكأننا أمام إعادة كتابة للتاريخ، ولبيان ما أهمله التاريخ، أو هو اعتذار واعتراف بالذنب، ثم وأظهر الفرقة وعناصر التوافق والتخاذل والنصر والهزيمة، وتطرق لمفخرة الأردنيين من عامة الشعب والذين هبوا بدافع الحمية والعروبة والجيرة لنجدة اهل فلسطين، ثم والضابط الأردني الذي قبل عصيان الأوامر العسكرية بخطة مدبرة ليسمح للمجاهد الفلسطيني بقصف مستوطنة خلدة والتي كانت تعتبر من اقوى المستوطنات في فلسطين للصهاينة، وفي قلب فلسطين تماما بين يافا والقدس.
فرواية (زمن الخيول البيضاء) جسدت زمنا حالك السواد، فبرغم الهدوء والسعادة الظاهرة التي كانت تسود الناس في فلسطين قبل العام 1948، فرمز لها كاتبنا بزمن الخيول البيضاء بعنونة الرواية، إلا أن تتبع تفاصيل الأحداث والسرد، تظهر لنا أنها بيضاء في ظاهرها، لكن وراءها وتحتها أشد السواد، فالحمامة والهادية هما محور الرواية في العقود البيضاء، فالحمامة هي الفرس البيضاء الأصيلة والجميلة والساحرة، والهادية هي القريه الهادئة الهانئة الوادعة، وبرغم حقيقتها قرية تضم تجمعا بشريا صغيرا، إلا أنها رمز لفلسطين كلها، أي ان الجزء يرمز للكل، ثم إن تأكيد الكاتب أن معظم الأحداث المروية كانت حقيقة، وكل ما نقرأ كان وصفاً لواقع، وكل ما فعله هو تغيير اسماء ابطال الرواية والشخوص، وقد قسم الكاتب روايته إلى ثلاثة كتب، الكتاب الأول بعنوان (الريح) وتركيزه على الحمامة أي الفرس الأصيلة البيضاء وهوس ابن الشيخ بها ثم وبالعروس التي يريدها، والكتاب الثاني بعنوان (التراب) وتركيزه على الأرض والهادية والكتاب الثالث بعنوان (البشر) ويعنى بالناس وبما جرى لهم أثناء تحقق النكبة او ما بعدها.
يلاحظ القارئ اننا انشغلنا كثيرا بموضوع الحمامة فقد كانت سر الملهاة وبؤرة مركزية الحكاية في الكتاب الأول، وقرية الهادية ترميز لكل فلسطين، فهموم الهادية وانشغالهم بالتراث والتقاليد والخيل والأوهام والخيال والجنون والصراعات القبلية وكل هذه كانت إسقاطات على ما كان يشغل الفلسطينيين عموما، فلم يشأ الكاتب ان يوجه الاتهامات مباشرة لشعب فلسطين، بتهاونه في حقوقه، ولعدم وجود رأي جمعي موحد، حتى في قرية صغيرة وادعة، إلا أن الغفلة والخلافات على امور تافهة كانت هي ما شغل الناس، فكانوا لا يتفقون إلا على امور تراثية ومتعارف عليها بلا تغيير او تبديل، مثل عادة الأخذ الثار، والتهجير القسري لأهل القاتل، والديات والعطوات والصلحات والواسطات واحكام المشايخ والوجهاء ومحاكماتهم، وكأن العالم سيخرب إذا حملت الفرس من حصان غير أصيل او حمار، وكأننا أمام اساطير وحكايات من خارج الزمن، بينما كان العدو يعمل ليل نهار استعدادا لليوم الموعود، ولحلول يوم الجلاء البريطاني عن فلسطين. وأكثر ما شغل اهل الهادية هي الحمامة، وهي فرس اصيلة يعتقدون أنها تفهم اكثر من الكثير من البشر، وتعرف الصح من الخطأ وتعرف الحصان الأصيل من الهجين، وترفض السفاد من حصان عابر او عادي، تماما مثل العروس بنت الأصول التي لا ينكحها إلا ابن اصول. هذا التطويل الممل عن تلقيح الحمامة وعن تعلق ابن الشيخ بها واقترابه من الجنون والهذيان وهو يفكر بها وربط ذلك بعروسه التي احبها من اول نظرة ربما، وصمته زمنا طويلا، لأنه يريد عروسا جميلة اصيلة بنت اصول، فالفتاة التي عشقها حين رأها مرة ، أبى أهلها تزويجها له، فصار معه ما صار، وتعلق بالحمامة الفرس الأصيلة التي استردها أهلها، للمحافظة على نقاء سلالتها. فصار في الرواية أكثر من ملهاة تتراكم وتترابط حلزونيا، ولا تكاد تنتهي من متاهة حتى تدخل في متاهة وملهاة جديدة.
وللإنصاف إذا اردت ان تكتب عن رواية (زمن الخيول البيضاء) لمؤلفها ابراهيم نصر الله، فستجد نفسك انك تؤلف كتابا جديدا إن كنت تصر على إتقان دورك وبأمانة. أغبط كاتبنا ابراهيم على صبره وطول نفسه، وعلى الجهود التي بذلها ليجمع هذا الكم الهائل من المعلومات والحقائق والقصص التي حدثت فعلا، وحتى وصف معارك بدايات الصراع بين العرب والصهاينة، واشتراك الجيش العربي الأردني في حماية اماكن من فلسطين، كي تبقى عربية، وإبداعات هذا الجيش الذي كان صغيرا جدا وقتها، وحميّة ضباطه وجنوده الأردنيين في محاولاتهم مساعدة اخوانهم الفلسطينيين على الوقوف في وجه الصهاينة، بالرغم من عدم موافقة قائد الجيش وقتها وهو جون باجوت كلوب باشا البريطاني.
فكتابتي هي مساهمة متواضعة مني في إبراز هذا العمل الأدبي الفني الضخم المتكامل، مؤكدا هنا بأن التاريخ الأدبي والإنساني سيخلد هذه الرواية وكاتبها، وستتزايد قيمتها وأهميتها بمرور العقود، لأنها ملحمة تهم الشعب الفلسطيني والأردني بحق، أو هي إلياذة الصراع الفلسطيني ضد الظلم ومحاولات الفلسطينيين الصمود في وجه كل الضغوط المتراكمة من كل الاتجاهات لكسر ارادة هذا الشعب الجبار، وكل فصل وكل قصة في الرواية وكأنها حكاية من حكايات شهرزاد في الف ليلة وليلة، والسارد يأخذ مكان شهرزاد، خائفا قلقا متربصا يريد الصمود والحياة لكي يكمل ما بدأه، وليبقى بعدها لأسابيع وسنوات مثقلا بهمومه لكنه يحاول أن يأخذ نفسا عميقا وراحة، ثم ليجد نفسه يعود ثانية لإكمال ما بدأه بحيث يجعلك تتمنى ان لا يتوقف وأن لا ينتهي من سرد المواقف والمشاكل والهموم حتى ولو جاء الظلام وموعد النوم، وكأننا شهريار الذي ينام وهو ينتظر نهاية الحكاية، ثم حتى نعود لنسمع قصة جديدة لافتة للنظر ومثيرة مقلقة، وباختصار وحسب رأيي حاول إبراهيم نصر الله إدخال صيرورة التأثيرات الأنثوية في تقنية السرد، فأطال في إضافة مسحة جمالية واسعة في سفر التراث الفلسطيني وتأثير الرغبات الأنثوية في تحريك أحداث الجمود، بعكس فعالية الأنثى لدى الشعوب الأخرى، ففي إلإلياذة مثلا فإن الرغبات الأنثوية أثارت الحروب فاشتعلت الحرب الإغريقية بين الطرواديين واليونانيين، فكان من جماليات ملحمة الإلياذة التي الفها الشاعر الإغريقي هوميروس، أن المرأة والجمال كانت المحرك للرجال الشجعان لتحمل مسئولية المرحلة، ولسوء حظ الفلسطينيين إن المرأة لم تكن في المكان الذي استحقته لدى الشعوب الأخرى، فلم نجد في فلسطين امرأة مثل الملكة بلقيس التي لبت دعوة سليمان ، وذهبت له بنفسها حاملة معها الهدايا الثمينة وأقرت بحكمه وحكمته وتزوجته ووحدت المملكتين، وأطفأت نيران الحرب، وحقنت الدماء، ولا الزباء(زنوبية) التي قادت حرب التحرير والتمرد على الحكم الروماني، ولا جان دارك التي حركت حرب التحرير الفرنسي، برغم صغر عمرها، ثم اتهمت بالهرطقة واعدمت سنة 1431 م.
رواية تقع في اكثر من 500 صفحة لهي مؤهلة لتتسع لكل هذا الزخم والأحداث والتناقضات والملهيات التي أراد نصر الله عرضها، مع ان كثيرا مما احتوته كان مسكوتا عنه وما زال، لكن هذه المساحة الواسعة التي خلقها المؤلف لدليل على الضيق الذي كان يحس به وطوال فترة طويلة، ولا ننسى أن نصر الله أديب عريق مجدد، فلجأ إلى أساليب متعددة وبأصوات كثيرة، ليوحي للقارئ بالقيم العامة السائدة والتي أراد ابرازها أو تضخيمها، لتتفاعل تحركات الشخوص وحياتهم بحرية مع بعضها بعضا، فأصبح المنظور الأيديولوجي أبعد ما يكون عن التحديد، بل يعتمد على الفهم الغريزي للقارئ ، ((ويقول اوسبنسكي على أنه يجب أن ننظر إلى العمل الأدبي ككائن له استقلاله عن مؤلفه، فينسب المنظور الأيديولوجي إلى العمل نفسه لا إلى مؤلفه، سواء وافقه في الواقع او خالفه)) ، وهنا تظهر مهارة الكاتب وإخلاصه لعمله في إتقان الدور الذي اختار القيام به، فبحث ابراهيم نصر الله الطويل عن أسباب مقنعة لسكوت هذا الشعب طويلا عن فقدانه لحقه وما زال، وبطريقة مسرحية تراجيدية هزلية غامضة تارة وهادئة وانهزامية تارة أخرى، جعلت ضمير الكاتب معذبا، فانتظر طويلا وصبر، حتى عبأ كل قواه الفكرية والنفسية والمعنوية وكأنه يبني شعبا له من جديد، ليرسم له الطريق السليم للتحرير، بعيدا عن الغوغائية والجهل والتراث المعتق البالي، فاضحا وكاشفا ومعريا كل تلك التقاليد والملهيات التي أشغلت الإنسان الفلسطيني عن مسايرة قطار الزمن السريع، وكأننا نعيد إخراج الحال العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى، فبخسارتنا ارض فلسطين كأننا كنا نمثل الجو الاجتماعي والثقافي والجهل نفسه في أواخر حكم الإمبراطورية العثمانية، حتى أنتج هزيمة سهلة وجعلت الطامعين يسخرون من أمكانيات الفلسطينيين كما سخروا من إمكانيات العثمانيين، وما زال العدو الصهيوني يقنع نفسه انه كان شجاعا وقويا وحازما مع الفلسطينيين، مع انهم كانوا وما زالو يعانون انهزاما داخلياً، كيف انهزمت الأمبراطورية العظيمة وكأنها دولة من كرتون، بسبب جهل حكامها وشعبها وجيوشها والتخلف العقلي والحضاري والاقتصادي والعلمي، لا عن فقر في الموارد ولا في العقول، لكنه التشبث بالقديم والانكماش والانعطاف والتقوقع في تجمعات بشرية تعيش حياتها خلوا من شعور جمعي وحدوي بعيدا عما يرسم الغير لهم، او لنا، فهذا الحجم والإحاطة التي غطاها نصر الله في روايته تجعله يظهر لنا انه راض تماما ومقتنع بما انجزه.
كتابتي اليوم ليست نقدية بالمعنى الفني المتعارف عليه، بل هي شهادة لنجاح النص، نص قصد به ان يؤدي هدفا معينا، فنجح الكاتب في لغته وسرده ونمط تفكيره واسلوب التعبير والحبكة، بل إن تشبثه بالتشتت في سرد الأحداث والأنتقالات السريعة والحبكة لهو تخصص يكرسه ابراهيم نصر الله ليكون ميزة له، وخير معين له في فن الكتابة، ثم إصراره على جعل القارئ مهموما منشغلا بتجميع ما يقرأ ليململم القصة ويحبكها في عقله وعلى طريقته، نص محكم لا تجد جملة زائدة فيه ولا فضلة، بل كل المفردات التي في النص خدمت الحكاية والهدف الذي انشئ العمل لأجله.
وملاحظة أخيرة أرى من الواجب إثارتها، وهي إنني أكاد أحسّ مشاعر المؤلف متسائلا ومتحاورا مع القارئ، قائلا له هذا ما قمت به وما قدمته، فماذا أنت فاعل بالمقابل، أو هات ما عندك، بعد أن قلت كل ماعندي. يقول محمد عزام في كتابه (تحليل الخطاب الأدبي) صفحة 310 ((فرواية نقد الواقع تعبر عن وعي ضمني بضرورة تغيير القيم السائدة في المجتمع، وهذا ما يجعلها تشكل موقفا إيجابيا إذا ما قيست بالروايات التي تتصالح مع القيم السائدة))
وحين يتحاور الصحفي محمود مع صديقته ليلى كاتبة القصص التي بلا نهايات، تقول له ((لاتكتفي بتحرير المقالات والأخبار، بل يجب أن تخرج موهبتك إلى العلن، فيجيبها، لا أريد أن يعرفني أحد . . . . تصوري أن يقترب أحدهم ويسألني، ما رأيك فيما يدور، وإلى أين تسير الأمور في فلسطين؟ سأجنّ حينها، فمن يستطيع أن يحل معادلة أطرافها كل هؤلاء الفلاحين الفلسطينيين وزعاماتهم في المدن والريف، الفقر في القرى والغنى في المدن، تفوق اليهود الصناعي، والتخلف الذي تركه الأتراك هنا، من يستطيع حل معادلة فوضى عشرات الأحزاب وصراعاتها التي لا تنتهي، مقارنة مع دقة تنظيم المنظمات اليهودية)) صفحة 422
وفي الصفحات المئة الأخيرة، وجد الراوي نفسه مراسلا حربيا يصف تفاصيل المعارك والمواجهات مع العدو الصهيوني، ثم وبيان خيانة جيش الإنقاذ وتآمر رؤسائه على الفلسطينيين شبه العزل، فوجدوا انفسهم وجها لوجه امام قوى الصهيونية المدربة وبأحدث الأسلحة، فتحولت الحبكة الروائية الى وصف تفاصيل سقوط الهادية وجميع المدن والقرى الفلسطينية، ولإظهار الفشل الفلسطيني الذي سلم أمره للغير ليواجه العدو، ثم والفشل العربي بخيانات مؤكدة اختتم نصر الله روايته بكلام تأنيب وتشفي وساخر ومؤلم من رئيس العدو الصهيوني المنتصر بن غوريون حيث يقول: ((لوكنت قائدا عربيا لما وافقت على اي اتفاق مع إسرائيل، فهذا امر طبيعي، فنحن أخذنا بلادهم، نعم إن الله وعدنا بهذه الأرض، ولكن هذا امر لا يهمهم… فإلهنا ليس إلههم، وهذا حصل منذ الفي عام، فما الذي يدعوهم لأن يعيروه اهتماماً؟؟ وكانت هنالك اللاسامية، ومن ثم النازيين وهتلر، واشوتس، فهل كان ذلك ذنبهم؟ إنهم يرون شيئا واحدا فقط، إننا جئنا وسرقنا بلادهم، فلماذا عليهم أن يقبلوا بهذا؟؟ )))

قد يعجبك ايضا