منير عبيد: البيت الأولاني مجموعة قصصية للكاتبة أمل رضوان

عرض وتحليل منير عبيد
تصدر الكاتبة أمل رضوان مجموعتها القصصية “البيت الأولاني “ببيت للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش يقول فيه : ” ربما كان هذا الحنين طريقنا في البقاء ” و الحنين إلى مسقط الرأس هو الموضوع الذي يسيطر على قصص المجموعة و يربط بينها .و هذا ما يتجلى في القصة العنوان ” البيت الأولاني ” حيث تتداعى الذكريات. :” لم أدخله منذ أعوام طويلة ، سكنته و غادرت ،و سكنها و لم يغادر ” عبارة تذكرنا بمقولة البابا شنودة ” مصر وطن يعيش فينا ” . عادت راوية القصة إلى البيت الذي قضت فيه طفولتها لتأخذ كتبها القديمة قبل تسليم الشقة إلى مالك العقار .أدارت المفتاح في القفل الحديد الصدئ فانفتح الباب الذي خالته يوما ثقيلا بكل سهولة .و بمجرد أن تدخل الشقة تتداعى الذكريات . كان كل شيء في مكانه . الكنبة البلدي التي كان يجلس عليها الشيخ طه المقرئ كل يوم جمعة . كانت الكنبة من غيرالشلتة القطن . الشباك الذي كان يطل على مطبخ جارتهم تفسخت أخشابه .فتحت حجرات البيت واحدة تلو الأخرى و وجدت شنطة الكتب التي جاءت من أجلها . هي الأخرى كانت ذات يوم حمراء فصارت بنية بمرور الوقت . كل شيء تبدل بفعل الزمن . فهي حين تعثر على كتبها تتعرف عليها و تقلب في صفحاتها ؛ لكنها لا تتذكر لماذا وضعت خطا تحت بيت صلاح عبد الصبور” الناس في بلادي جارحون كالصقور ” . ذهبت إلى دورة المياه لتغسل يديها من غبار الكتب . كان دهان الحمام أخضر ذات يوم . تشققت الجدران . جلست على كرسي الحمام و ضمت ركبتيها على صدرها و خبأت ثدييها كما كانت تأمرهها أمها و أغلقت عينيها كما كانت تفعل. لكنها ضحكت عاليا من وضعها ففردت ركبتيها و فردت ظهرها في تحد لأوامر أمها و بدأت ترش الماء على جسمها . و لأول مرة وجدت شعرة بيضاء في بقعة حميمية من جسمها .فارتدت ملابسها بسرعة و خرجت من الحمام . عندئذ تتجلى لحظة التنوير كما كان يسميها الناقد الكبير رشاد رشدي . لقد طالتها يد الزمن هي الأخرى .
تضم المجموعة لقطات عديدة مختلفة من جوانب الحياة التي عاشتها الكاتبة في مدينتي الفيوم و القاهرة و الزاخرة بالصراعات التي تكتسب أهميتها من الشخصيات المشاركة فيها و بيئاتها الثرية بالعادات و التقاليد .و هي صراعات أشبه بمباريات جوائزها ثمينة لا تحسم إلا في الجولة الأخيرة ، و أحيانا لا يمكن حسمها بسهولة و قد ينتج عنها تغيير في القيم و المثل و الأفكار .
ففي قصة ” مسحوق الزهرة الزرقاء لا يمحو كل البقع ” – و هي القصة التي تتصدر المجموعة نكتشف عمق دلالة العنوان بعد فراغنا من قراءتها وتأملنا في مغزاها الذي بلورته الكاتبة أمل رضوان من خلال نظرتها المتعمقة المتأنية بحيث يمكن أن يصير مثلا نابعا من تجارب الحياة . و راوية هذه القصة طفلة تقول : ” أدقق النظر في الملابس البيضاء و قد استحالت إلى لون أزرق خفيف بفعل مسحوق الزهرة التي تضعها ” أم صابر الغسالة “في لإزالة البقع من ملابس أبي الداخلية دون أن تعرف أبدا القدر المناسب ؛ تقلل منها أحيانا فتطرها أمي أن تزيدها ……. ” لكن بعد أن تهبط أم صابرلإحضار مزيد من الغسيل يختفي أبو الطفلة خلف الملاءات حيث تقف “سعدية ” ابنة أم صابر ترى الطفلة أباها يمسك بها بقوة ويصفعها على ثدييها فيرتجان تحت جلبابها الملتصق بجسدها المبلل ، و تنفر حلماتها قيقرصعا أبوها منهما عقابا على ذنب لا تعرفه الطفلة راوية القصة .و حينما صعدت أم صابر مسرعة هذه المرة و رأت أباها و هو يعاقب ” سعدية ” وضعت طبق الغسيل على الأرض و قالت لأبيها ” ليه كده بس ياسي مرسي ؟ البت صغيرة و ما تفهمش في الحاجات دي !؟ ” اكتفى أبوها بأن يمد يده في جيبها و أخرج عدة أوراق نقدية و دسها في يد “أم صابر ” و قال بصوت عال : ” البنت غلطت فيَ يا أم صابر و بأدبها ” .اٌكتشفت المأساة و ظهرت علامات الحمل على سعدية و انهارت الزوجة و لطمت على وجهها و أقسمت “أم صابر ” بأن الفاعل هو سي مرسي ! حُبست سعدية في غرفة بالسطوح لعدة أشهر إلى أن وضعت ثم ااختفى المولود . و عندما سألت “سعدية” أمها عنه أجابتها بأنها خرجت به في السطوح و خطفته منها الحداية و طارت به .
لقد صوًرت الكاتبة بحسها الفني و الإنساني هذا المشهد المتكرر لما تتعرض له الطبقة الفقيرة الكادحة من ظلم و تحرش لا في مصر وحدها و إنما في بلدان كثيرة تتعرض فيها الخادمات للظلم و التحرش و تُعاقب المجني عليها ، أما الجاني فلا يمسه أي أذى . و كما أن التخلص من الجنين لا يمحو العار فكذلك لا يمحو مسحوق الزهرة الزرقاء كل البقع .
تتسم قصص المجموعة بالواقعية و دقة الوصف و البراعة في استخدام مستويات اللغة في السرد و الحوار بحيث يعيش القارئ أجواء البيئة التي انتقت منها أمل رضوان قصصها على نحو يذكرنا بولع أديبنا الكبير نجيب محفوظ بالحارة المصرية في حي الحسين .
باحث في الأدب العربي
فائزة بجائزة ساويرس في القصة القصيرة
الناشر دار العين القاهرة

قد يعجبك ايضا