سفيان بنحسن: ماكوندو.. جماهيرية العقيد
سفيان بنحسن
إن المتابع للروايات العالمية وللواقعية العجائبية التي تميز بها أدب أمريكا اللاتينية لا بد أن يكون قد وضع بين يديه يوما رائعة “مائة عام من العزلة” للروائي الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز، يحدثنا الكاتب الكبير في روايته عن قرية إختار لها من الأسماء “ماكوندو” أنشأها بطل الرواية “خوسيه أركاديو” ومجموعة من رفاقه، ويخبرنا كيف عاشت القرية هادئة لا تعرف الموت ولا الصراعات السياسية إلى أن إكتشفها الساسة ورجال الأعمال الأمريكان فحولوها إلى جحيم وبرك من الدماء، يموت مؤسسها مربوطا في شجرة وتنتهي الرواية بوفاة كل أفراد العائلة المؤسسة قبل أن يأتي الإعصار على ما تبقى من ماكوندو فيجعلها هباءا منثورا، لا أدري لماذا أرى في ماكوندو جماهيرية العقيد
الجماهيرية العظمى إسم إختاره العقيد الراحل لمملكته التي بناها وحررها من هيمنة الغرب، لم تكن البلاد قبله سوى إمتداد لإمبراطوريات الشر العالمي وحديقة خلفية للامريكان والبريطانيين، ومع وصول القذافي إلى الحكم بادر بغلق القواعد العسكرية الأمريكية وبوضع يد الدولة على المقدرات النفطية، كانت البلاد في عهده خارج بيت الطاعة الأمريكي ولا وجود لها على خارطة نفوذ ساكن البيت الأبيض تماما كما كانت ماكوندو مستقلة بذاتها عن مركز البلاد، أدرك القذافي ما لم يدركه كثير من قادة المنطقة بأن الاستعمار لم يغادر هذه الأرض إلا ليعود إليها من جديد وأن الخضوع للإمبريالية ليس قدرنا بل إختيارا من قياداتنا ، كان القذافي حر التفكير شامخا في زمن الذل والتبعية والهوان، كان يبحث عن الإستقلال التام وعن صنع جماهيريته التي تختار سياساتها وتحالفاتها المستقلة، كان يسعى لصنع عالمه الخاص الذي لا يخضع لإملاءات الغرب ولا لحضارته التي ترسخت في هذا الوطن، غيّر التقويم وإستبدل أسماء الأشهر بأخرى عربية من وحي الخيال حينا ومن وحي التاريخ أحيانا، وأمر بأن لا تكتب اللافتات إلا بلغة البلاد، بدا مجنونا متحديا للكبار ومدركا في الآن ذاته أن بلاده ستسقط يوما بيد الأعداء . في إحدى كلماته في تسعينات القرن الماضي تحدث عن غزو مرتقب لبلاده وعن سيناريوهات مشابهة لما يحدث اليوم في المنطقة، أدرك بأن رائحة النفط تغوي لصوص الليل وتدفعهم لينزلوا أرض الجماهيرية ويغيّروا ما يقولون إنها خطيئة الجغرافيا التي منحت النفط لقوم لا يستحقون الحياة. العالم الحر المتقدم المدافع عن الحقوق والحريات قد يخوض كل الحروب ويبيد أقواما من أجل السيطرة على الذهب الأسود الذي إبتلتنا به الأقدار.
أعود إلى ماكوندو التي يقول الراوي أن رجل أعمال أمريكي زارها وإستضافه أهلها وأطعموه من ما ينتجونه من الموز، فقرر إستغلال البلدة وإنشاء شركة لإنتاج الموز، كان دخول الأمريكان سببا في إنتشار الفوضى في المدينة الفاضلة، وكان أحد أحفاد مؤسس المدينة كثيرا ما يردد أن سبب البلاء في المدينة هو أن أهلها دعوا أمريكيا ليأكل الموز، لا يختلف الأمر كثيرا من ماكوندو إلى العواصم العربية التي تعاني من الخراب والحروب، فكل البلاء الذي نعيشه اليوم سببه هذه الثروات التي تريدها أمريكا، قد تدخل أرضنا بتعلة نشر الحرية والديمقراطية أو بتعلة محاربة الإرهاب الذي لها وحدها حق تعريفه وتحديد مرتكبيه وستجد دوما من يصدق أكاذيبها وتعلاتها لكنها حتما لن تترك هذه الأرض حتى قطرة النفط الأخيرة.
خمس سنوات على إنطلاق الفصل الأول من غزو الجماهيرية ولا زال من بين العرب من يعتقد بعفوية الحراك ذات سابع عشر من شباط، لا زال بيننا من يصدق بأن فيلسوف الدم برنار ليفي كان يبحث عن حرية الشعب الليبي وبأن دموع مجلس الأمن كانت من اجل أطفال بني غازي، لا زال من أبناء هذه الأمة من يصدق بأن حكام الخليج قد سعوا لنشر الديمقراطية في ليبيا وهم الذين إختصروا الدولة والشعب في ذواتهم وجعلوا من بلدانهم مزارع خاصة لهم ولأسياد البيت الأبيض، بعد سنوات خمس يستعد الغرب لإستكمال فصول الغزو ووضع اليد على ما تبقى من ثروات البلاد ويستعد حكام الخليج لتسويق التعلات وتأكيدها. الجماهيرية أرض حرة صنعها القذافي وأتت عليها أطماع الغرب كما أتت على ماكوندو مدينة السلام والأحلام
[email protected]
كاتب تونسي
