تركيا تلملم جراحها ونقاش عميق تحت عنوان “الزلزال لا يقتل.. المباني هي التي تقتل”

وهج 24 : يواصل الآلاف من عناصر هيئة الإغاثة والإنقاذ التركية بمساعدة قوات من الشرطة والجيش وكافة أركان وإمكانيات الدولة عمليات البحث والتنقيب عن قتلى وناجين تحت ركام المنازل التي تهدمت في محافظة إزمير غربي تركيا نتيجة الزلزال الذي ضربها يوم الجمعة وخلف عشرات القتلى ومئات الجرحى.

وفي آخر إحصائية رسمية أعلنتها هيئة الإغاثة “آفاد”، مساء الأحد، ارتفع عدد ضحايا زلزال إزمير إلى 62 قتيلاً و940 جريحاً منهم 722 أكملوا علاجهم، فيما يواصل 218 تلقي العلاج في المستشفيات من إصابات بعضها خطيرة وبالغة الخطورة ما يزيد الخشية من ارتفاع عدد الضحايا.

ارتفاع حصيلة القتلى إلى 62 والجرحى إلى 940

لكن الخشية الأكبر من ارتفاع عدد الضحايا تنبع من استمرار عمليات البحث والتنقيب تحت ركام ما لا يقل عن ثماني عمارات سكنية كبيرة ما زال يقبع تحت ركامها مفقودون لم يحدد عددهم تتضاءل الآمال بالوصول إلى أحياء من بينهم مع مرور أكثر من 50 ساعة على وقوع الزلزال، فيما تتواصل الهزات الارتدادية وأعمال تقييم البيوت المتضررة ما يمنع الكثير من سكان المدينة من العودة إلى منازلهم حتى الآن.

وعقب زيارته السبت إلى إزمير وتفقده أعمال الإنقاذ المتواصلة، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأحد، ببناء الحكومة منازل جديدة للمواطنين الذين تهدمت بيوتهم بسبب الزلزال في أسرع وقت ممكن، وشدد على أن كافة الوزارات والمؤسسات المعنية تقوم بعمل كل ما يلزم عبر طواقمها في منطقة الكارثة.

وفتح زلزال إزمير الباب واسعاً مجدداً أمام نقاشات واسعة حول مخاطر الزلازل الدائمة على تركيا وإجراءات الحكومة والبلديات والمواطنين لتقليل الخسائر في حال حصول هزات جديدة كبيرة، لا سيما في ظل استمرار التحذيرات من أن زلزالاً مدمراً ينتظر إسطنبول كبرى محافظات البلاد من حيث عدد السكان.

وتصدر النقاش مقولة أن “الزلزال لا يقتل وإنما المباني هي التي تقتل”، حيث يتسع الإجماع بشكل كبير حول أن الزلزال ليس سبباً مباشراً لوقوع الضحايا وإنما انهيار المباني هو الذي يتسبب في وقوع ضحايا عقب الزلازل حيث تؤكد الكثير من البيانات والإحصائيات والمعلومات التي تتكشف تدريجياً أن كافة المباني التي سقطت كانت متهالكة أو أنها بنيت بشكل هندسي خاطئ أو أنها بنيت باستخدام حديد مسلح وباطون مغشوش أو بكميات أقل من المطلوب هندسياً.

وعلى الرغم من أن زلزال إزمير الأخير بلغت قوته 6.6 درجات على مقياس ريختر إلا أنه لم يؤد إلى تدمير الأحياء الفقيرة والمنازل القديمة ولا المباني التاريخية أو البيوت القديمة جداً، وتهدمت قرابة 20 بناية سكنية في مناطق متفرقة بينما بقيت بجانبها عشرات آلاف المباني الأخرى الأكبر والأقدم منها بدون أي مخاطر للسقوط.

وفي عشرات المقالات واللقاءات التلفزيونية أكد مختصون وخبراء زلازل ومهندسون أن الزلزال ورغم قوته التي بلغت 6.6 درجات يجب ألا يتسبب في انهيار مبان كبيرة كالتي سقطت في إزمير لو أنها كانت مبنية بالمواصفات الهندسية السليمة وبدون أي عمليات غش في الخرسان أو الباطون أو الأساسات.

وعلى الفور بدأت وسائل إعلام تركية بالكشف عن أن بعض المباني التي تهدمت كانت قد تلقت تقارير رسمية من البلدية أو الوزارات المعنية بأنها لا تتمتع بالمواصفات الكافية لمقاومة الزلازل ورغم ذلك لم يتم إخلاؤها، كما أجريت تحقيقات صحفية خلصت إلى أن الفحوصات الأولية على بعض بقايا الباطون المستخدم في بعض البنايات التي تهدمت خلصت إلى أنه ضعيف ومغشوش ومخالف لمعايير البناء في تركيا. كما أن أغلب المباني التي تهدمت في زلزال إزمير كانت في منطقة بيرقلي التي تشهد بالفعل عملية تحول حضاري وإعادة بناء تدريجي بدعم من الحكومة لتقييمها أنها غير مقاومة للزلازل.

ومنذ زلزال مرمرة المدمر الذي ضرب محيط إسطنبول عام 1999 وخلف عشرات آلاف القتلى والجرحى، كثفت الحكومات التركية من جهودها وإجراءاتها لتقليل الخسائر في أي زلزال يضرب البلاد، وفرضت شهادة مقاومة الزلازل كشرط لتقديم كل أنواع الخدمات الأساسية للمباني والشقق السكنية.

كما أدارت الحكومات المتعاقبة برنامجا ضخما لإعادة بناء المساكن غير المقاومة للزلازل، وجرى هدم وإعادة بناء ملايين الشقق السكنية في عموم البلاد على مدار العقود الأخيرة، فيما لا تزال مئات آلاف المنازل وربما ملايين بحاجة إلى إعادة بناء لتصبح مقاومة بشكل أكبر للزلازل وهو ما يتطلب دعما ماليا حكوميا أكبر، الأمر الذي لا يبدو سهلاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد عقب انتشار جائحة كورونا.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا