هل جاء اغتيال زاده ضمن فخ نصبته الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران؟
وهج 24 : بعدما اكتفى رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو بالتلميح لضلوعها في اغتيال العالم المشرف على المشروع النووي الإيراني فخري زاده، التزم الصمت فيما واصل وزراؤه الثرثرة بخلاف العادة في حالات مشابهة وسط تباين تقديرات المراقبين المحليين حول طرق الانتقام الإيرانية.
ويجمع مراقبون وخبراء إسرائيليون أن اغتيال زاده ينطوي على ضربة موجعة من شأنها أن تعيق تقدم المشروع النووي الإيراني بسبب خبرته الغنية جدا كما هو الحال مع الجنرال قاسم سليماني. لكن هؤلاء يرون أن وقف المشروع النووي الإيراني لا يقتصر على المساس بالقدرات، داعين لضرب الإرادات أيضا كما قال المحلل العسكري للقناة العبرية 12 الذي دعا لمواصلة وتصعيد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية والضربات العسكرية السرية ضد إيران وعدم الاكتفاء بـ”اغتيال خبراء وعلماء”.
وقال زميله محرر الشؤون العربية في القناة إيهود يعاري إن الاغتيال ضربة حقيقية للمشروع النووي الخاص بإيران ولم يستبعد أن تكون هذه محاولة أيضا لجرها لمواجهة مباشرة وخطيرة في آخر أيام ترامب الباحث عن فصل يظهر فيه كبطل قبل مغادرته البيت الأبيض.
وهناك من يشير للرد الإيراني المنضبط في التصريحات التي تحمل إسرائيل المسؤولية والاحتفاظ بحق الرد في الزمن المناسب دليلا على أن طهران أيضا تحاذر ولا تريد التورط مع ترامب في أيامه الأخيرة وتفضل صيانة خيار تحسن العلاقات في فترة جو بايدن.
رد حاسم
واعتبر بعض المراقبين الإسرائيليين أن هذا الاغتيال يندرج ضمن محاولة إسرائيلية لاستدراج إيران وإيقاعها في الفخ من خلال دفعها لرد مباشر على إسرائيل أو دولة خليجية لتوفير ذريعة لقيام الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب بتوجيه رد حاسم لإيران يدخله التاريخ.
يشار إلى أن هذا الاغتيال قد سبقته اغتيالات سابقة على الأراضي الإيرانية علاوة على الكشف قبل أسبوعين عن اغتيال نائب زعيم القاعدة المختبئ في طهران وعن سلسلة الهجمات العلنية على أهداف إيرانية في سوريا.
وأعلنت إسرائيل منذ السبت حالة التأهب لدى سفاراتها في جميع أنحاء العالم، بعدما حملتها إيران مسؤولية اغتيال محسن زاده المسؤول عن الملف النووي الإيراني. وأوضحت القناة 12 العبرية أن حالة التأهب أيضا رفعت لدى المجتمعات اليهودية في دول مختلفة من العالم وأشارت إلى أن ذلك يترافق مع التهديدات الإيرانية بالثأر.
وفيما اكتفى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالتلميح لمسؤولية إسرائيل عن اغتيال زاده، تفاوتت ردود فعل الوزراء بين نفي وبين تلميح وتهديد بالمزيد، مما دفع محللين ومراقبين للاستغراب والتحذير من أن هذه التصريحات والتسريبات تصب الزيت على التوتر المتصاعد في المنطقة. وقد قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شطاينتس إنه ليس لديه أدنى فكرة من فَعل ذلك، وأضاف: “لكن لا شك في أن هذه ضربة كبيرة، للبرنامج النووي الإيراني”.
نتنياهو اكتفى بالتلميح لدور إسرائيل ووزراؤه يواصلون التعليق ومراقبون يحذرون من الثرثرة
وعلى غرار شطاينتس قال ما هو مطابق وزير البيئة زئيف إلكين علما أنهما عضوان في المجلس الوزاري الإسرائيلي ومقربان جدا من نتنياهو. وقال الوزير الإسرائيلي أوفير أكونيس إن إسرائيل مستعدة للتعامل مع التهديدات الإيرانية للرد، وحماية مواطنيها والدفاع عن مقارها خارج البلاد.
إلى ذلك قال الوزير الإسرائيلي تساحي هانغبي ضمن مقابلة تلفزيونية، إنه “ليس لديه دليل” على من قتل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في طهران يوم الجمعة. وقال هانغبي، وهو أحد المقربين من نتنياهو: “ليس لدي أي دليل على من فعل ذلك. ليس الأمر أن فمي مغلق لأنني مسؤول، بل لأنه ليس لدي أي دليل حقا”.
وترفض رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيليتان التعليق على اغتيال فخري زاده. وبحسب تقرير في قناة 12 في التلفزيون الإسرائيلي، فإن مصدرا استخباراتيا كبيرا في الغرب قال إن “الاغتيال فرصة أخيرة، قبل دخول بايدن البيت الأبيض، والعودة إلى الاتفاق النووي، الذي يمنح الإيرانيين حصانة”. وأضاف أن “القضاء على فخري زاده هو تتويج لخطة إسرائيل الاستراتيجية الطويلة، لتخريب البرنامج النووي.
واشنطن بوست: اغتيال زاده دليل على ثغرات في الاستخبارات الإيرانية
ورأت صحيفة “واشنطن بوست” أن اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، “يكشف عن نقاط ضعف في أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية”.
وورد في مقال افتتاحية نشرته الصحيفة أن العملية التي أسفرت عن مقتل زاده دليل على وجود بعض الثغرات في المجال الأمني والاستخباراتي الإيراني، كما أنه جعل الوضع في المنطقة أكثر خطورة قبل أقل من شهرين من تولي الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، صلاحياته ليتبع نهجا قد يؤدي إلى تجديد العلاقات الأمريكية الإيرانية.
ترامب يقتبس صحافيا إسرائيليا
وأكدت الصحيفة أن اغتيال العالم الإيراني زاد الوضع في المنطقة توترا “على خلفية مخاوف من أن تدخل إيران في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل قبل تولي بايدن منصبه الجديد. ومع أن الرئيس الحالي، دونالد ترامب، لم يعلق على اغتيال فخري زاده، إلا أنه نشر على صفحته في “تويتر” تغريدة قديمة لصحافي إسرائيلي خبير بالشؤون الاستراتيجية يدعى يوسي ميلمان ذكر فيها أن زاده بات هدفا لجهاز “الموساد” الإسرائيلي على مدار سنوات طويلة.
وفي حديث لـ”واشنطن بوست” أوضح ميلمان أنه قال في هذه التغريدة إنه لن يفاجأ “إذا تبين أن إسرائيل هي التي تقف وراء عملية الاغتيال، مع أنه أشار إلى أنه لا يملك تأكيدات من الحكومة الإسرائيلية تدعم هذا الافتراض”. ويحذر ميلمان ومراقبون إسرائيليون آخرون مما وصفوه بـ”الثرثرة الزائدة” في إشارة لتلميحات إسرائيلية بالضلوع باغتيال زاده.
كيف سترد إيران على اغتيال فخري زاده؟
وتساءل هؤلاء حول سيناريوهات الرد الإيراني فقد قال محرر الشؤون الفلسطينية في القناة العبرية 13، الصحافي الإسرائيلي حزي سيمان- توف، إن طهران من جهة مهتمة بالرد على مثل هذه الاغتيالات، لعدم تكرارها في المستقبل، فضلا عن استعادة كرامتها وهيبتها المُتضررة من اغتيالات تنفذ في عقر دارهم.
طهران مهتمة بالرد لكنها حذرة مع اقتراب تولي بايدن السلطة في واشنطن
ولكن من ناحية أخرى، فإن الرئيس الأمريكي المُنتهية ولايته دونالد ترامب سيغادر البيت الأبيض، وسيتولى جو بايدن المنصب، وسيكون من الممكن إعادة مناقشة الاتفاقية النووية التي انسحب منها الأمريكيون، مع إدارة أقل تشددا، لن تقدم الدعم لإسرائيل بمثل هذه الاغتيالات، كما تفعل الإدارة الحالية”.
رد من غزة
ولكن صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية تكهنّت أنه إذا اختارت إيران الرد، فإن خياراتها هي الاستخدام المحدود لحزب الله في لبنان، أو إطلاق الصواريخ على مرتفعات الجولان، أو العبوات الناسفة على الحدود، باستخدام المجموعات المسلحة الشيعية في سوريا، أو عمليات للجهاد الإسلامي في قطاع غزة، أو هجمات إلكترونية.
ووضعت الصحيفة في إحدى الاحتمالات، أن تُناط مهمة الرد على الوحدة 804 التابعة لقوة قدس الذراع الخارجي لحرس الثورة، الذي ينتشر في أنحاء متفرقة من العالم. وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإن عناصر “الوحدة 804” مدربون على تنفيذ عمليات خارج الحدود الإيرانية بما في ذلك عمليات اغتيال.
وتابعت: “خلال الخمس سنوات الماضية، ارتبط اسم الوحدة بست عمليات تصفية في دول أوروبية وبمحاولة اغتيال فاشلة في الولايات المتحدة”، لافتة إلى أن “فكرة اغتيال مسؤولين، وشخصيات إسرائيلية أو مقربين لإسرائيل في إحدى البلدان الأوروبية، هي احتمال وضمن قدرات فيلق القدس والوحدة 804″. وتابعت أن إيران و”حزب الله” اللبناني سبق “ونفذوا هجمات ضد أهداف إسرائيلية بالخارج بينها الهجوم على مطار فارنا في بلغاريا وهجمات ضد سفارات إسرائيلية ومقر الجالية اليهودية في الأرجنتين عام 1992.
وقالت إن الميزة في تنفيذ هجوم ضد أهداف إسرائيلية في الخارج هو القدرة على نفي أية صلة به بشكل رسمي وتقليل احتمال تنفيذ إسرائيل عملية عسكرية فورية. مع ذلك ينطوي العمل في دولة أجنبية على مخاطر التسبب في إحراج دولي حال الفشل، وعدم القدرة على الإعلان عن تحقيق هدف الانتقام لمقتل فخري زاده، بحسب الصحيفة.
كذلك فإن عيبا آخر لهذه الطريقة يتمثل في التراجع الكبير في عدد السياح الإسرائيليين بالخارج حاليا، على خلفية تفشي جائحة كورونا، وفق ذات المصدر. وتساءلت الصحيفة هل ما إذا كانت سترد إيران، باغتيال شخصية إسرائيلية، أو شخصية داعمة لإسرائيل في أوروبا، أو مهاجمة هدف إسرائيلي في الخارج.
سوريا ولبنان
وفي الوقت الذي استبعد سيمان- توف إطلاق إيران صواريخ دقيقة على العمق الإسرائيلي من سوريا أو لبنان، فإن “يسرائيل هيوم” اعتبرته واردا لكنها حذّرت من أن خطوة كهذه ستمنح إسرائيل ذريعة، لـ”شن حرب مدمرة على سوريا أو لبنان”.
وتقول الصحيفة: “في المرة الأخيرة التي نفذت فيها إيران عملية انتقامية اختارت طهران استخدام هجوم بالصواريخ الباليستية الدقيقة على قاعدة للجيش الأمريكي في العراق، ردا على اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني. وتضيف: “العملية الإيرانية ورغم أنها لم تسفر عن مقتل جندي أمريكي واحد، وتسببت في إحراج كبير على خلفية إسقاط طائرة ركاب أوكرانية فوق طهران بنيران مضادة للطائرات عن طريق الخطأ، إلا أنها كانت بالفعل نجاحا عسكريا باهرا”.
وتقول الصحيفة إن إيران دربت خلال العقود الأخيرة قوتين هامتين على الحدود الشمالية لإسرائيل، منظمة حزب الله والحركات الموالية لإيران في سوريا. وتابعت: “يتواجد كلاهما على حدود إسرائيل، وسبق أن استخدمتهما إيران لإلحاق الأذى بإسرائيل. سيسمح استهداف جنود الجيش الإسرائيلي على الحدود لإيران باستهداف كرامة إسرائيل مع تقليل المخاطر على قواتها وعناصرها. سوف تستخدم البنية التحتية المتواجدة بالفعل على الأرض ويمكنها أن تتضمن عبوات ناسفة كتلك التي تم العثور عليها على حدود الجولان الأسبوع الماضي، أو استخدام صواريخ مضادة للدبابات تجاه قوات الجيش الإسرائيلي، مثلما أعتاد حزب الله أن يفعل. كذلك فشل مثل هذه العملية لن يضر كثيرا بمكانة إيران”.
العيب في تنفيذ عملية على حدود إسرائيل هو إمكانية أن ترى فيها إسرائيل سببا لاستهداف واسع لحزب الله أو المليشيات الإيرانية في سوريا
مع ذلك تؤكد الصحيفة أن “العيب في تنفيذ عملية على حدود إسرائيل هو إمكانية أن ترى فيها إسرائيل سببا لاستهداف واسع لحزب الله أو المليشيات الإيرانية في سوريا”. وختمت الصحيفة بالقول: “فيما لم تنته الحرب الأهلية في سوريا تماما، فإن ضررا كبيرا يلحق بالموالين لإيران ونظام الأسد في البلاد قد يعرض للخطر إنجازات المحور الإيراني خلال القتال. إن عملية متهورة في لبنان يمكن أن تقود إلى مواجهة شاملة بين إسرائيل وحزب الله”.
صحافي إسرائيلي: التاريخ يثبت أن لاغتيال المسؤولين تأثيرا كبيرا
بسياق متصل قال محرر الشؤون العربية والإسلامية في القناة 13 تسفي يحزقيلي إن اغتيال زاده لم يكن الضربة الوحيدة التي تلقاها الإيرانيون، بل الضربة الأشد. وتابع: “إذا كانت إسرائيل بالفعل وراء الاغتيال كما زُعم، فإن ذلك يُعادل اغتيال قاسم سليماني، على يد القوات الأمريكية. بل إنه قد يتجاوز اغتيال سليماني، لأن اغتيال سليماني كان في مطار بغداد، بينما اغتيال فخر زاده كان في عقر دار الإيرانيين، بنيران قريبة المدى”.
ورأى يحزقيلي، في مقالة كتبها السبت، إن لاغتيال زاده مكانة هائلة، ورسالة مدوية، وأيضا تأثيرا فوريا. وأضاف: “يُزعم على نطاق واسع أن لكل شخص بديل، لكن من الواضح بالفعل، أن إسماعيل قآاني، قائد الحرس الثوري، لا يُعادل سلفه قاسم سليماني، ومن المرجح ألا يكون خليفة فخر زاده مثله”.
وأوضح يحزقيلي: “يُظهر التاريخ أن مثل هذه الاغتيالات لها تأثير كبير. الاغتيال في طهران الجمعة، يُمثّل إحراجا كبيرا لإيران، وعلى الرغم من أنهم يهددون بالانتقام، إلا أنهم في ورطة، إذ يتعين عليهم الانتقام بطريقة تليق بحجم الحدث، ومع ذلك، فإن سلة قدراتهم محدودة”.
وخلص للزعم أن “الإيرانيين في وضع غير مؤات من نواحٍ عديدة في هذا السياق: أولا، إدراكهم أن إسرائيل تتابع كل تحركاتهم، بطريقة تجعل من الصعب عليهم تنفيذ هجوم انتقامي جيد، فإسرائيل تقرأهم ككتاب مفتوح. ثانيا، لا يمكنهم القبول برد ضعيف نسبيا، لن ينقذ كرامتهم”.
المصدر : القدس العربي