أمة بلا بوصلة: حين صار السلاح عربيًا على العربي، والصمت عقيدة أمام العدو

محي الدين غنيم   …..

ما يحدث في الوطن العربي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل كارثة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان. مشهد عربي مكسور، تتبدل فيه الأولويات، ويُحرَّف فيه معنى السيادة، حتى صار السلاح الذي يُفترض أن يحمي الأوطان موجَّهًا إلى صدور أبناء الوطن نفسه، بينما تُطوى الجرائم الصهيونية بالصمت، أو تُبرَّر، أو تُدفن تحت ركام المصالح والحسابات الضيقة.
في هذا الواقع المرير، لم يعد العدو هو من يحتل الأرض ويقتل الإنسان فحسب، بل أصبح العدو أيضًا هو الخوف، والتبعية، وغياب الإرادة. جيوش عربية أُنفقت عليها ثروات الشعوب، لا لتكون درعًا للأمة، بل عصًا غليظة تُرفع في وجه الشعوب، أو تُستخدم في صراعات عربية–عربية، تُستنزف فيها الطاقات، وتُهدر الكرامة، وتُقدَّم فيها الأمة على طبق من ضعف لكل طامع.
القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا بوصلة العرب، تحولت عند كثيرين إلى عبء سياسي، أو ملف مؤجل، أو ورقة مساومة. العدو الصهيوني يمارس القتل والتهجير والتدمير، والعالم العربي الرسمي يتفرج، أو يكتفي ببيانات باردة لا توقف دمًا ولا تعيد حقًا. في المقابل، يُستدعى السلاح سريعًا حين يتعلق الأمر بقمع احتجاج، أو كسر إرادة شعب، أو تصفية حساب مع شقيق عربي.
لقد أُفرغت العروبة من مضمونها، فلم تعد مشروع وحدة ولا رابطة مصير، بل شعارًا يُرفع عند الحاجة، ويُطوى عند أول اختبار. العروبة التي لا تحمي إنسانها، ولا تصون كرامته، ولا تدافع عن مقدساتها، تتحول إلى كلمة جوفاء. وحين تصمت الشعوب طويلًا، وتعتاد القهر، وتبرر الهزيمة، يصبح الصمت ثقافة، والخنوع سلوكًا عامًا.
إن ما وصلت إليه الأمة العربية لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات من الاستبداد، والتبعية، وتغييب الوعي، وتزييف الأولويات. ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على شعوب لم تمت، ووعي يتشكل تحت الركام، وإدراك متأخر بأن الكرامة لا تُمنح، وأن السيادة لا تُستعار، وأن العدو لا يُهادَن على حساب الحق.
هذه ليست دعوة لليأس، بل صرخة في وجه واقع مخزٍ، علّها توقظ ضميرًا، وتعيد طرح السؤال الجوهري:
إلى متى يبقى السلاح عربيًا على العربي، وتبقى فلسطين وحدها في الميدان؟
وإلى متى تستمر أمةٌ بلا بوصلة، تسير عكس تاريخها ومصيرها؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا