ما بين سفيرٍ يُحب… وسفيرٍ يُجَرِّب واختلاف النوايا
بقلم: العميد المتقاعد هاشم المجالي ……………
عجبًا لأمر النيات، كيف تتشابه الأفعال وتختلف المقاصد، وكيف تلبس الزيارة ثوب المودة عند قوم، وثوب الريبة عند آخرين. فليس كل من طرق الأبواب جاء محبًّا، ولا كل من صافح القوم صافحهم بقلبه.
لقد ألف الأردنيون – وهم أهل الفطرة السليمة والحدس الصادق – سفراءً إذا جاؤوا جاءوا بأرواحهم قبل أجسادهم، وإذا جلسوا جلسوا كالإخوة لا كالرُّقباء، وإذا شاركوا في أفراح الناس وأتراحهم لم يكن ذلك واجبًا دبلوماسيًا، بل عادةً عربيةً، ومروءةً قبل أن تكون سياسة.
رأينا سفراء من دول الخليج العربي والدول العربية وهم من ديارٍ نعرفها كما نعرف أسماء آبائنا، إذا دخلوا مضارب العشائر دخلوا بلا حواجز، وإذا صافحوا الشيوخ صافحوهم بصدق النية لا ببرود البروتوكول. فلا تسأل الأردني حينها: لِمَ رحّب؟ لأن الترحيب فطرة، والود جواب الود.
ثم… جاءنا هذا النشاط المفاجئ، لا من باب الألفة، بل من باب الاستغراب. سفيرٌ لم نعهده في عزاءٍ ولا فرح، ولا في خبزٍ ولا قهوة، فإذا به اليوم يطوف البلاد طولًا وعرضًا، كأنما اكتشف فجأة أن في هذه الأرض بشرًا لا خرائط.
عجبنا لا من الزيارة، بل من توقيتها، ولا من السلام، بل من شكله. لحيةٌ منفلتة كأنها بيان سياسي لم يُحرر بعد، وابتسامةٌ لا تدري أهي ودٌّ أم اختبار، وحضورٌ يذكّرك بأن وراء الكاميرا تقريرًا، ووراء التقرير نية.
وما زاد الريبة ريبةً، أن هذا الطواف الاجتماعي كان انتقائيًا، يرى أحياءً ولا يرى أخرى، يمر على الأرض مرور المسّاح لا مرور الجار، وكأن بعض الناس في الوطن أكثر مواطنة من غيرهم فهم كانوا بالسابق يزورون المخيمات لدعم اللاجئين الفلسطنيين او السوريين أما الأن فصار زيارتها ودعمها محرما و مجرما كما هو منصوص عليه في النصوص التورانية .
لسنا سُذّجًا لنرفض الزيارة، ولا عدائيين لنخشى الحوار، لكننا – بحمد الله – نُحسن قراءة الوجوه كما نقرأ السطور، ونعرف الفرق بين من يأتي ليشاركنا الهم، ومن يأتي ليدوّن الهم في دفتره.
فالود يا سعادة السفير لا يُستعار، والنية لا تُستورد، والمحبة لا تُزرع في موسم واحد ثم تُحصد تقريرًا. نحن قوم إذا أحببنا فتحنا البيوت، وإذا شككنا صمتنا… لكن صمتنا أبلغ من الكلام.
وختامًا، لو أن النيات تُقاس بالخطوات، لكانت كل الطرق سواء، ولكنها تُقاس بما تحمله القلوب، وما تخفيه الأجندات، وما تقوله الأفعال حين تُطفأ الكاميرات.
وما بين سفيرٍ جاء محبًّا…
وسفيرٍ جاء مُجرِّبًا…
فرقٌ لا تراه العيون،
لكن تشعر به الأوطان.
الكاتب من الأردن