مجلس النواب التاسع عشر، التوقعات والآمال في زمن الشدائد والمحن
العميد المتقاعد باسم الحموري…
يرتكز النظام الديمقراطي في الأردن على السيادة الوطنية والتي تعتمد على اختيار مجلس نيابي بواسطة انتخابات مباشرة، وحيث أن الأردنيين أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين، فيكون لكل منهم الحق في الترشح والانتخاب، حين تنطبق الشروط عليهم.
وقد مارس المواطنون حقهم الإنتخابي في العاشر من شهر تشرين الثاني الحالي في كل مناطق المملكة، في ظل ظروف جائحة فيروس الكورونا الصعبة، والتجهيزات والإجراءات الكثيرة التي اتخذتها الدولة من خلال الهيئة المستقلة للانتخاب. وبالرغم من أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات لم تتجاوز ال 30% ممن يحق لهم الانتخاب، وبرغم الأحداث والتجاوزات الكثيرة والصادمة التي تلت إعلان نتائجها، إلا أن هذه الانتخابات في نهاية الأمر قد تمت، ونتاجها قد صُودق عليها، وأصبح لدينا مجلس نيابي منتخب هو المجلس التاسع عشر، والذي يستعد لممارسة مهامه بعد انعقاد الدورة العادية له قريباً، شاء من شاء وأبى من أبى، ما يعني أنه لا بد من البدء بالتفكير بما هو مطلوب ومتأمل من نواب هذا المجلس، والتعامل معه على أنه الجهة التشريعية الهامة في الدولة، والتي يُعوَّل عليها الكثير..
من المعروف أن من أهم مهام مجلس النواب التشريع وسن القوانين التي تصيغها الحكومة كجهة تنفيذية، حيث ترسل الحكومة مقترحات هذه القوانين إلى المجلس لغايات مناقشتها وإقرارها، ومن ثم إرسالها إلى مجلس الأعيان لتصبح نافذة بعد إقرارها من قبل أعضائه.
ومن أهم واجبات مجلس النواب أيضاً الرقابة على أداء الحكومة من الناحيتين الإدارية والمالية، ومحاولة الحفاظ على حقوق المواطنين وتحقيق العدالة لهم، وذلك من خلال متابعة الإجراءات الحكومية في مختلف المؤسسات والوزارات والمرافق في كافة مناطق المملكة، ووفق الدوائر الانتخابية لكل نائب على وجه التحديد، هذا إلى جانب قيام المجلس بمتابعة قضايا الوطن الداخلية والخارجية، والتزامه بأن يكون عوناً للسلطة التنفيذية في تحقيق الإصلاح السياسي وترسيخ الديمقراطية.
وبرأيي، ليس من المنطق القبول بمقولة أن “هناك حكومة قوية وبرلمان ضعيف، أو برلمان قوي وحكومة ضعيفة”، أو كما قال أحد النواب المخضرمين بأن ” النواب عباره عن ديكور”، فالمفروض أن يكون هناك “برلمانٌ قوي وحكومةٌ قوية أيضاً”، فالعمل بين هذين المجلسين هو عملٌ تشاركي، فالأول هو السلطة التشريعية والثاني هو السلطة التنفيذية، وكلاهما مكملٌ للآخر، والهدف بالنهاية هو تحقيق المصلحة الفضلى للوطن والمواطن، وليس تسجيل المواقف أو الاستقواء على الآخر، فحدوث ذلك يؤدي إلى إثارة فوضى سياسية ينتج عنها ضعفٌ وترهلٌ مدمرين داخل الدولة ومؤسساتها، ما ينعكس بطبيعة الحال على المجتمع فيفرز أفراداً متمردين وغير مسؤولين، ولا يجدون في مجالس الدولة ( التشريعية أو التنفيذية) القوة أو السند أو حتى القدوة ليكونوا مواطنين صالحين وفاعلين، وهذا تقريباً ما حدث!!!
إن مجلس النواب مجلس أمة، وليس مجلس منطقة أو أفراد بعينهم أو طبقات محددة من المجتمع، لذا يُفترض أن يلتزم أعضاؤه بمتابعة قضايا المواطنين وهمومهم اليومية بأمانة ومسؤولية ومهنية على المستوى الوطني، لا على مستوى الدوائرالانتخابية فقط، وذلك إحقاقاً للعدالة وتجنب التحيز والعنصرية، ولضرب مثال متميز على نهج جديد في التعامل مع قضايا الوطن والمواطنين. وبهذا الصدد يُفترض بان ينتهي ظهور ما يسمى بــ “نائب الخدمات” الذي يُمضي جُلَّ وقته في مراجعة الدوائر الحكومية، من أجل إحراج المسؤولين باستخدام السلطة الممنوحة إليه كنائب، لطلب بعض الخدمات أو”التنفيعات” بهدف إيصالها إلى منطقته الانتخابية، ما يُضعف موقفه ويهز صورة المجلس النيابي الذي يمثله. وليس خافياً على أحد ما يُقال عن كل نائب وضع نفسه في مثل هذه المواقف، وإن تمت تلبية حاجته.
كما يُفترض بمجلس النواب الجديد إظهار الجدية في محاسبة الحكومة على تقصيرها تجاه القضايا الداخلية أو الخارجية، والخروج من حدود ذلك الإطار الذي أصرت معظم المجالس النيابية أن يُرسم حول صورتها من كونها مجالس مهادنة، تشتد وتعلو بأصواتها ثم وعند التصويت على الثقة، تمنحها للحكومة وبكل فخر، وكأن شيئاً لم يكن!!
المطلوب من نواب المجلس الجديد عدم حصر أنفسهم ببحث قضايا الشأن الداخلي فقط، بل تخطي ذلك وبصورة أقوى لبحثٍ جادٍ في قضايا الشأن الخارجي، فالمخاطرُ كثيرة، والمؤامرات والخطط الجديدة التي تفرضها التحولات الدولية على مستوى العالم تستدعي إعادة النظر في طريقة التعاطي مع هذه القضايا. المطلوب هو دورٌ فاعل للمجلس في القضايا المصيرية لدولتنا الأردنية، وبخاصه القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات وقضية اللاجئين السوريين، إضافةً للدور الأردني الذي يجب الحفاظ على بقاء تفعيله على المستويين الإقليمي والدولي، والإسهام في تعزيز العلاقات الأردنية العربية والعلاقات الأردنية الخارجية بشكل عام.
في هذه الأوقات العصيبة التي نعيشها، ووسط كل هذه الشدائد التي تعصف ليس بوطننا فقط بل بالعالم كله، يُفترض أن يعي النواب الجدد، وحتى المخضرمين منهم، أن العمل النيابي لم يعُد الوجاهة، ولا المردود المادي العالي، ولا الحصانة، ولا القدرة على جلب التنفيعات، ولا الصياح تحت القبة، ولا استعراض العضلات بالدخول في مهاترات ٍتنتهي بأفظع المشاجرات. إن النيابة في هذا الوقت هي الحكمة، التعقل والتبصر، الفطنة والذكاء، والقدرة على كشف الخلل وهندسة الحل. النيابةُ في هذه المرحلة هي امتصاص غضب الناس وكثرة شكواهم من حقوق ضائعة، وميزانية مهدورة، ومشاريعَ غيرَ ناجحة، واقتصادٍ على شفا جرف هارٍ، وتعليمٍ متصدع، وكفاءات مقموعة أو محالة على التقاعد، وقياداتٍ متهالكة في مؤسسات ووزارات باتت تغلقُ أبوابها وترتاح كلما أطل فيروسٌ متناهي الصغر برأسه.