الفساد المالي والإداري…المسلسل الذي لا تنتهي حلقاته ج(2)
العميد المتقاعد باسم الحموري …..
في مقالي السابق تم التطرق إلى تعريف الفساد بشكل عام، وذكر أسبابه وبعض أنواعه، والتي كان منها الفساد السياسي، الاقتصادي، الإداري والمالي، واليوم يتم الحديث عن بعض طرق مكافحة هذه الآفة الاجتماعية.
قامت حكوماتنا المتعاقبة بوضع استراتيجيات مختلفة لمكافحة الفساد في البلاد، وتم التأكيد دائماً على أن المال العام مُصان، وأنه ستتم ملاحقه الفاسدين وتحت مظلة “لا حصانة لفاسد”، وأنه سيتم تطوير القطاع العام ومحاربة الترهل الإداري بكل الوسائل ووضع حدٍ له، إلاّ أن كل ذلك لم يمنع من استشراء الفساد وانتشاره في الكثير من مؤسسات الدولة بشقيها العام والخاص.
مما لا شك فيه هو أن محاربة الفساد لا تتحقق فقط من خلال وضع الاستراتيجيات وعقد المؤتمرات والاستمرار بإعطاء الوعود والتطمينات للمواطنين ضحايا قضايا هذه الآفة وتبعاتها، ومحاربةُ الفساد لا تكون – بلا شك – باستحداث مؤسسات أو هيئات خاصة و”عديدة” تكون مهمتها رصد الوقائع والمخالفات وإصدار التقارير النهائية لغايات توزيعها وتعميمها على دوائر الدولة ومؤسساتها، للاطلاع والتعجًّب – ليس إلاَّ – وذلك بالطبع بعد أخذ صورة تذكارية للحظة تسليم التقرير!!
إن محاربة الفساد ليست بالأمر السهل، بل تأخذ وقتاً طويلاً نظراً لِتجذُّره وتشعُّبِ زواياه، محاربتُه تتطلب العملَ على أكثر من صعيد، وتضافرَ جهود العديد من الأطراف، ويبدأ كل ذلك من قوله تعالى : ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ))، ووجود النوايا الصادقة لدى المعنيين من المسؤولين وحتى المواطنين للتغيير، والتي يُفترض أن يكون باعثها الوازع الديني-الأخلاقي ووجود القدوة واللذان بتنا نفتقدهما في هذا الزمان.
والتربية الصالحة للنشء منذ البداية هي الأساس في إنبات جيلٍ واعٍ يُغرَس فيه حبُّ الانتماء للوطن لا للمصالح أو المنافع شخصية، ويكون ذلك من خلال المنزل والمدرسة ومن ثم الجامعة أو سوق العمل، وبتوظيفٍ فاعلٍ ومدروس للمناهج والبرامج التعليمية أو التثقيفية التي تتم بواسطة المصادر المتنوعة المخصَّصة لهذه الغاية.
ويجب إعطاء الأولوية والأهمية الكبرى لتعديل القوانين والأنظمة المرتبطة بالصلاحيات وقضايا الفساد والتي قد تُسهم في بعض الأحيان في منح الفاسدين الحصانة ضد محاسبتهم أو التساهل في مساءلتهم، حتى لا يتحول فسادُهم ترفاً وتجاوزُهم وساماً يتباهَون به أمام من ينتظرون “بشغف وقلة حيلة” إيقاع العقوبات الرادعة بحقهم!!!
إن وضع نظامٍ فعال لتطوير القطاع العام قادرٍعلى تقييم أداء المؤسسات الحكومية الحالي وتطويرها وتقييم أداء العاملين فيها مهنياً وبشكل دوري له أثرٌ فاعل في تقليص فرص حصول الفساد، وبهذا الصدد يجب التأكيد على أهمية “الفاعلية” في عمل مؤسسات تطوير القطاع العام المحتملة بدل التركيز على تغيير مسماها، حيث لم تترك وزارتا ” تطوير القطاع العام” و “تطوير الأداء المؤسسي” الأخيرتين أي أثرٍ يُذكر على أرض الواقع على أداء المؤسسات أو الموظفين، وبالرغم من أية جهود قد تكون بُذلت، ما زالت قضايا الفساد موجودة وما زال هناك مترهلون ومرتشون، وفوق ذلك فهم دوناً عن غيرهم – من المسؤولين والموظفين ذوي الاستقامة والنزاهة – تجدهم يستمرون في الوظائف ويترقون في المناصب، وكلما أختفوا من منصب ظهروا في منصبٍ أعلى منه، وكأن فساداً لم يكن!!
ومن إجراءات محاربة الفساد المالي والإداري التأكيد على مبدأ الشفافية في جميع مؤسسات الدولة والهيئات المستقلة، وإيجاد حلول ناجعة ومدروسة و”حقيقية” لتحسين الرواتب والمستوى المعيشي والاقتصادي للمواطنين، ومعالجة الفروقات غير العادلة في حجم المردود المالي لبعض المسميات الوظيفية قياساً بغيرها، وذلك ردءاً لاحتمالية ممارسة الفساد من قبل قليل الدّخل “المُحتاج”، أو عالي الدّخل “النهِم”.
ويُسهم تعيينُ ودعمُ قياداتٍ طموحة ومؤهلة وتؤمن بالتغيير والتطوير واللامحسوبية من ذوي الكفاءة والخبرات العلمية والعملية، في حماية المؤسسات من تفشّي الفساد ومن توريث المناصب كما جرت عليه العادة.
أما الإعلام، فيمكن له أن يلعب دوراً فاعلاً في توعية المواطنين حول الفساد، طرقه وأنواعه، وآثاره وعواقبه، بدل أن يكون موجَهاً في الآراء التي يتبناها حسب القضايا أو الأشخاص المتورطين فيها.
ولا شك أن محاربة الفساد تلعب دوراً كبيراً في تنمية الاقتصاد الوطني، وتقي من حدوث الترهل الإداري وتمنع الاعتداء على المال العام، وتًحقق المصلحة العامة للوطن والمواطنين من خلال الآثار الإيجابية لمكافحته، كما تحافظ على أمن واستقرار الدولة والمجتمع، وتؤكد على منظومة الأمن الوطني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. إن محاربة الفساد توفِّر بيئة ًخصبة للاستثمار الداخلي والخارجي للدولة لصالح القطاعين العام والخاص، يعود انتاجه ومردوده بالنفع والخير على الوطن والمواطنين.
وختاماً…فإن محاربة الفساد لا يمكن أن تتحقق في رفع الشعارات أو تنفيذ الحلول الجزئية أو إصدار التقارير السنوية الخاصة بفضح ونشر قضاياه، وإنما باعتماد حلول كاملة يتم من خلالها العناية بكافة مناحي الإدارة العامة وأداء العاملين فيها وتعزيز الرقابة القضائية على المال العام والترهل الإداري دون مجاملة أو محاباة أو حتى..خوف، كي تزول عن مجتمعنا مقولة أننا: “شعبٌ يُحارب الفساد ولكن يحترم الفاسدين” !!